د.مسفر بن جارالله
عندما تعرضت منشآت أرامكو في بقيق وخريص لاعتداءات إرهابية في 2019، قفزت أسعار النفط بنحو 10% في يوم واحد، في واحدة من أكبر القفزات اليومية منذ عقود. ورغم ذلك، لم تتوقف الإمدادات، بل التزمت أرامكو بتوصيل الكميات المتفق عليها لجميع عملائها، بل ونجحت في استعادة مستويات الإنتاج خلال فترة قصيرة. وقد عكس ذلك متانة وموثوقية السعودية والتزامها بأسواق الطاقة، وقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص.
المهم هنا أن هذه القفزة لم تكن نتيجة نقص فعلي في الإمدادات، بل نتيجة الخوف من توسع الهجوم أو تكراره في منشآت أخرى. فالسوق، في تلك اللحظة، لم تكن تسعّر ما يحدث، بل ما قد يحدث.
اليوم، يتكرر هذا المشهد في ظل التوترات الحالية في الخليج العربي، وخصوصًا في مضيق هرمز، وإن كان على نطاق أوسع وتأثير أكبر. فالمشكلة الرئيسية لا تكمن في القدرة على إنتاج الكميات التي يحتاج إليها العالم الذي لا يزال ينتج أكثر من 100 مليون برميل يوميًا، بل في القلق من عدم القدرة على إيصال هذه الإمدادات في ظل تصاعد المخاطر.
فالعالم لا يزال ينتج ما يحتاجه من النفط، ورغم وجود بعض الانخفاضات، فإنها تظل محدودة عند مقارنتها بحجم السوق العالمية. كما يمكن تعويض أي نقص محتمل من خلال الاحتياطيات النفطية الإستراتيجية التي أعلنت وكالة الطاقة الدولية استخدامها. وبذلك، فإن الكميات متوفرة، لكن الطريق إليها أصبح مضطربًا — وهذا الطريق يمر عبر مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات حساسية في العالم.
السؤال الأهم اليوم: من يتحكم في الأسعار؟
والإجابة، دون مبالغة: الأخبار! فكل حدث، أو تصريح سياسي، أو حادثة عسكرية — بغض النظر عن حجمها — يولد ردود فعل في السوق قد تكون أكبر من الحدث نفسه. لم تعد الأسواق تُدار فقط بنظريات العرض والطلب، بل أصبحت خاضعة لعوامل نفسية وجيوسياسية تتغير بسرعة. وكأن سوق النفط تحوّلت من ساحة لتسعير الطاقة إلى ساحة لتسعير القلق.
أما عن السياسة النفطية للسعودية في المرحلة الحالية، فيمكن وصفها بسياسة “المراقبة والترقب”. فقد شهدنا زيادة في الإنتاج ضمن اجتماعات أوبك بلس الأخيرة، في خطوة تظهر مرونة في التعامل مع السوق. ورغم أن السوق ليست في حالة مثالية، إلا أن السعودية في وضع مريح، نظرًا إلى امتلاكها بدائل لوجستية تقلل من الاعتماد على مضيق هرمز، إلى جانب اقتصاد قوي ودور قيادي وقدرة على المناورة في أصعب الظروف، وهو ما يمنحها دورًا يتجاوز كونها منتجًا إلى كونها عنصر استقرار في السوق.
وبالنسبة إلى كميات النفط المصدّرة، فقد تكون أقل نسبيًا مقارنة بفترات ما قبل التوترات، إلا أن ارتفاع الأسعار قد يعوض ذلك من حيث الإيرادات، ما يظهر مفارقة أخرى في السوق: انخفاض الكميات يقابله ارتفاع في العوائد.
يبقى السؤال: ماذا بعد؟
لا يبدو أن هناك حلًا قريبًا في الأفق، كما أن التنبؤ في ظل هذه الظروف المعقدة يظل صعبًا. فالتاريخ يُظهر أن الحروب، حتى وإن بدأت بأهداف محدودة، غالبًا ما تمتد لفترات أطول مما هو متوقع.
أما بالنسبة إلى أسواق النفط، فتبدو الأسعار حتى الآن تحت السيطرة نسبيًا، مدعومة بضخ الاحتياطيات الإستراتيجية، إلا أن هذا التأثير يظل مؤقتًا. ومع تراجع هذه الاحتياطيات واستمرار التوترات، قد تجد السوق نفسها تحت ضغوط متزايدة، خصوصًا إذا استمرت المخاوف بشأن الإمدادات في الخليج العربي. في النهاية، يبدو أن سوق النفط لم تعد سوق حقائق بقدر ما أصبحت سوق توقعات… ولم تعد سوق طاقة فقط، بل سوق خوف أيضا!
أكاديمي وباحث في شؤون الطاقة
