تُعد إمدادات النفط المقبلة من الخليج العربي حجر الزاوية في أمن الطاقة العالمي، ليس فقط بحكم الكميات الضخمة، بل بسبب موقعها الجغرافي الحساس وقدرتها على التأثير الفوري في الأسواق.
دول الخليج العربي تضخ نحو 30% من إجمالي الإمدادات العالمية للنفط الخام، وتستحوذ على ما يزيد على 45% من صادرات النفط المنقولة بحرا، والتي يمر معظمها عبر مضيق هرمز، الشريان الذي يعبر من خلاله يوميا نحو 20 مليون برميل. هذه الأرقام وحدها كفيلة بتفسير سبب حساسية الأسواق تجاه أي توتر سياسي أو عسكري في هذه المنطقة.
في رأيي، العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران لا تُقرأ فقط من زاوية السياسة أو الأمن، بل من منظور اقتصادي بحت، حيث تتحول أسعار النفط إلى مؤشر فوري لميزان التصعيد والتهدئة. في رأيي يمكن تصور 3 سيناريوهات رئيسية لتفاعل الأسواق مع مسار الأحداث:
السيناريو الأول: ضربة أمريكية محدودة تقابلها ضربة محدودة.
في هذا السيناريو، نتحدث عن تصعيد محسوب، وغالبا ما يهدف إلى إرسال رسائل ردع دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة. تاريخيا، تتفاعل الأسواق في مثل هذه الحالات بارتفاعات سريعة ولكن مؤقتة، وتكون مدفوعة بمخاطر نفسية أكثر من كونها اختلالا فعليا في الإمدادات وتأثرها.
وأقدر من وجهة نظر شخصية أن الأسعار في هذه الحالة قد تقفز في نطاق 10 إلى 15 دولارا للبرميل، قبل أن تعود تدريجيا للانخفاض مع استيعاب والتأكد أن خطوط الإمداد لم تتأثر فعليا، والذي يعززه تدفق نفط الخليج دون انقطاع.
السيناريو الثاني: تصعيد عسكري واسع وحرب قد يطول مداها
هنا تتغير قواعد اللعبة في اعتقادي بالكامل. أي صراع ممتد قد يهدد الملاحة في مضيق هرمز ويرفع تكاليف التأمين والشحن إلى مستويات غير مسبوقة. في هذا المشهد، لا نتحدث عن مخاطر مؤقتة أو نفسية، بل تأثر حقيقي في منظومة العرض والطلب العالمي على النفط.
من وجهة نظري، قد تدفع هذه الظروف الأسعار إلى مستويات قد تتجاوز 120 دولارا للبرميل، مع تقلبات حادة، وضغوط تضخمية عالمية، وتباطؤ اقتصادي في الاقتصادات المستهلكة الكبرى. الجدير بالذكر أنه وبالرغم من امتلاك بعض الدول مخزونات إستراتيجية، إلا أن فعاليتها تبقى محدودة أمام حرب طويلة الأمد.
السيناريو الثالث: التهدئة والوصول إلى اتفاق،
وهذا هو السيناريو الأكثر إيجابية للأسواق وما أتمناه، وإن كان الأقل إثارة إعلاميا، التوصل إلى تفاهم بين الطرفين يخفف المخاطر الجيوسياسية ويعيد التركيز إلى أساسيات السوق، واستقرار منظومة العرض والطلب، النمو الاقتصادي، وسياسات الإنتاج.
في هذا السياق، أرى أن الأسعار قد تميل إلى الاستقرار في نطاق 70 إلى 80 دولارا للبرميل، مع تراجع علاوة المخاطر، واستفادة الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء من منظومة أكثر استقرارا.
خلاصة القول، أسعار النفط اليوم ليست رهينة البراميل فقط، بل رهينة القرار السياسي، والخليج العربي سيبقى بحكم الجغرافيا والموارد، العامل الحاسم في معادلة الطاقة العالمية، سواء في زمن التصعيد أو في لحظات التهدئة.
خبير في شؤون الطاقة
