في عالم مالي أكثر هيمنة واستحواذاً وتداخلاً في هيكل الاقتصاد، لا تكون الثقة مجرد كلمة ينطقها المتعاملون، بل ركناً رئيسياً ومحركاً لاتجاهات رأس المال وفوائض المدخرات. يبحث المستثمر قبل العائد عن مناخ يسوده اليقين والشفافية والحوكمة، وعن بيئة تخلو من الاضطرابات. وإذا اهتزت هذه الثقة أو شابها عوامل ضاغطة أو تدخلات خارجية أو فوضى إدارية، تختار رؤوس الأموال الطريق الأسهل وتقرر أن الأصول في هذه الاقتصادات لا تشكل مصدر أمان لمدخراتها، دون التطرق لمفاوضات أو مناقشات حول العوائد أو التكلفة.
واليوم لم تعد تخلو عناوين شاشات الأخبار من ارتفاع عوائد سندات الاقتصادات المتقدمة وتسجيلها مستويات قياسية هي الأعلى منذ عقود. فمن الولايات المتحدة إلى فرنسا والمملكة المتحدة حتى اليابان، كلها أسواق باتت اليوم تعاني ضعفاً في سنداتها الحكومية، وموجات بيع تدفع العوائد لأخذ منحنى تصاعدي سريع.
تصنع التحركات أراء متباينة، فهناك من يرى بوادر أزمة ثقة تدعمها ارتفاع معدلات الديون العامة وتآكل الحيز المالي مع العجز المزمن في الميزانيات، وقفزة فواتير الإنفاق على محاور رئيسية مثل الطاقة والدفاع والرعاية الاجتماعية، بجانب ضغوط التضخم وتعطل الشحن والتوريد.
ويرى آخرون أن ارتفاع العوائد مجرد اضطراب مرحلي ناتج عن ظروف جيوسياسية وضغوط تمويلية ناتجة عن ارتفاع الطلب على التمويل من شركات التكنولوجيا لتشييد البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تحركات مؤسسية وفردية تجاه منتجات استثمارية أكثر مخاطرة وسريعة النمو مثل التقنية والعملات المشفرة، وأخرى تتمتع بالاستقرار مثل الذهب والفضة، مما يضغط على حجم السيولة المتاحة لأسواق الدين.
لنكن أكثر وضوحاً، فالحكومات لديها أزمة حقيقية، ليست فقط في ارتفاع معدلات الاقتراض وفواتير الإنفاق، وإنما في القدرة على خلق الدخل الحقيقي والموارد المالية الكافية التي تمكنها من سداد التزاماتها وتمويل خططها الاقتصادية والاجتماعية والدفاعية.
فالدين الحكومي في كثير من الاقتصادات أصبح يتجاوز مستوى 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وفوائد الدين تلتهم النسبة الأكبر من الإيرادات الضريبية، والقدرات الإنتاجية في مأزق حقيقي بسبب ضعف الطلب المحلي والمنافسة الخارجية. وبات المستثمرون يسعرون مخاطر عدم قدرة الحكومات على الوفاء بالالتزامات ضمن متطلباتهم في عوائد السندات أو مشتقات التمويل.
هناك أيضاً أزمة هيكلية متصاعدة تضغط على السيولة والتمويل، متمثلة في ضعف قدرة الاقتصادات على خلق الادخار. فالشركات أصبحت منهكة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج وانكماش الطلب وقيود التجارة والمنافسة الشرسة مع تدفق المنتجات القادمة من آسيا، وبخاصة من الصين.
كما أن الأفراد باتوا مرهقين بضغوط وتكاليف المعيشة المرتفعة والتضخم الجامح وضعف التوظيف؛ مما يدفع الفوائض التي تخلقها المجتمعات إلى الانكماش، ويجعلها غير قادرة على تلبية احتياجات التمويل للحكومات والشركات والأفراد، ويحولها إلى منافسة وصراع يفوز بهما من يدفع أكثر.
هناك تساؤل هام، على من تقع مسؤولية الوصول إلى هذا الوضع؟ هل النقديون الذين يحددون تكاليف المال عبر أسعار الفائدة، أم الماليون المتحكمون في تقديرات فواتير الإنفاق والإيرادات، أم السياسيون الذين يضعون الخطط العامة؟ الإجابة أن المسؤولية مشتركة؛ فالسياسة النقدية ساهمت في كثير من الحالات في تفاقم الأزمات عبر التراخي في محاربة التضخم وزيادة عرض النقود ومعدلات الإقراض دون تحقيق طفرة إنتاجية حقيقية.
فيما تبنى الماليون حزم تحفيزية في أوقات الأزمات مثل كورونا والأزمة الروسية الأوكرانية كبلت الاقتصاد بديون كبيرة، لم تواكبها خطط حقيقية لتعويض وتغطية الاقتراض؛ مما ساهم في تعزيز العجز المالي وارتفاع كلفة التمويل. أما بالنسبة إلى السياسيين، فقد باتت خططهم الانتخابية للإنفاق والتوسع تتجاوز قدرات الاقتصاد، وأصبح إرضاء الناخبين أولويةً تفوق استقرار وثقة الأسواق.
في الختام، لا يمكن لصانعي السياسات في الاقتصادات المتقدمة التعامل مع اضطرابات أسواق السندات باعتبارها أزمة عابرة، بل باعتبارها جرس إنذار يتطلب خططاً حقيقية لمعالجة الديون ومخاوف التعثر والثقة في الأداء الاقتصادي، والإدراك بأن المناخ العام لا يتحمل ضربة قوية تعصف بالقليل المتبقي من استقرار الأسواق وثقة رؤوس الأموال، في ظل ما تعانيه من اضطرابات جيوسياسية وتجارية ومالية.
مستشارة اقتصادية
