نايف الدندني
منذ تأسيسها قبل أكثر من 90 عاماً في ثلاثينيات القرن الماضي، أثبتت أرامكو السعودية مرة تلو الأخرى قدرتها الاستثنائية على المرونة والتكيف مع الأزمات السياسية والاضطرابات الجيوسياسية والهجمات السيبرانية والاعتداءات المباشرة على منشآتها، محولةً تلك التحديات إلى فرص لتعزيز مرونتها التشغيلية والمالية.
الشركة التي بدأت قصتها بتحديات الاستكشاف وسط بيئة صحراوية قاسية وشح في الموارد والخبرات، استغرق الأمر معها سنوات قبل تحقيق الإنتاج التجاري من أول آبارها التجارية عام 1938 في بئر الدمام رقم 7، واجهت تحولات سياسية كبرى تمثلت في اندلاع الحرب العالمية الثانية التي وصلت آثارها التدميرية إلى شرق السعودية، في أول اختبار لمرونة الشركة الوليدة حديثاً لتثبت قدرتها على الصمود والاستمرار مع تصاعد الأهمية الاستراتيجية للنفط عالمياً.
وفي رحلتها إلى التحول إلى شركة وطنية بالكامل لم يؤد هذا التحول إلى اضطراب تشغيلي، بل إلى بناء قدرات وطنية حافظت على الكفاءة العالية مع تعزيز السيطرة السيادية، ما مهد لتصدر أرامكو موقع ريادياً عالمياً وإعادة تموضعها في خريطة الطاقة العالمية من منتج خام إلى شركة طاقة متكاملة.
خلال الأزمات الإقليمية الكبرى برزت قدرة التكيف بوضوح، ففي حرب الخليج 1990-1991، رفعت أرامكو إنتاجها لأكثر من 3.5 مليون برميل يومياً لتعويض النقص العالمي الناتج عن الغزو العراقي للكويت الذي أدى إلى اختفاء أكثر من 4 ملايين برميل يومياً من الإمدادات النفطية العالمية، هذه الزيادة قادت إلى استقرار أسواق النفط وأسواق العالم المرتبطة بهذا المصدر المهم، وقاد إلى المحافظة على استقرار الإمدادات الدولية في وقت كانت فيه عملية عاصفة الصحراء في طريقها لتحرير الكويت.
أرامكو السعودية واجهت تحدياً كبيراً آخر، ففي سبتمبر 2019 تعرضت منشآت بقيق وخريص لهجمات بطائرات مسيرة أدت إلى تعطيل نحو نصف إنتاج الشركة وانخفض الإنتاج السعودي بدوره الى النصف، لقد فقد العالم 5% من الإمدادات العالمية حينها وارتفعت أسعار النفط بنسبة تجاوزت 15-20% في الأيام الأولى، إلا أن الشركة استعادت معظم الطاقة الإنتاجية خلال أيام معدودة، ووصلت إلى المستويات السابقة خلال 11 يوماً بفضل الخبرات المتراكمة وخطط الطوارئ المحكمة والبنية التحتية المتطورة، والأهم من ذلك كله القدرات البشرية والمؤهلات العالية والأداء القوي والمهارات التنافسية والتنظيمية عالية التدريب والتأهيل مع قيادة تتمتع بالقدرة العالية على مواجهة التحديات والمخاطر والصعوبات واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
لم تسفر الهجمات عن خسائر بشرية ولكن سرعة الاستجابة أظهرت أن البنية التحتية والفرق التشغيلية قادرة على احتواء أضرار تجاوزت نصف الطاقة الإنتاجية.
وبعد اشتعال الحرب الأمريكية الإيرانية في نهاية فبراير الماضي التي قادت إلى إغلاق مضيق هرمز الممر الحيوي الذي كان يغذي العالم بـ 20% من احتياجاته النفطية اليومية بمعدل 20 مليون برميل يومياً وتزايد المخاطر التي تواجهها السفن التي تنقل نفط أرامكو ونفط دول الخليج الأخرى كما العراق حولت أرامكو السعودية إنتاجها نحو البحر الأحمر بعيداً عن مضيق هرمز، حيث قامت بتفعيل خط أنابيب شرق-غرب الذي يربط الحقول الشرقية بموانئ البحر الأحمر وحولت نفطها إلى الساحل الغربي بعيداً عن الاضطرابات والتهديدات التي يتبادلها كلٌ من إيران والولايات وسط الألغام السياسية والحربية التي تمت زراعتها في المضيق ليصبح خط شرق غرب أشبه بشريان الحياة للعالم وخط الإنقاذ الذي وفرته أرامكو والسعودية للاقتصاد العالمي.
هذا الشهر واجهت أرامكو اختباراً جديداً مع تصاعد الاعتداءات الآثمة مع الحوثيين. حيث استُهدف مبنى إداري في المقر الرئيسي في الظهران، ما أدى إلى حريق محدود دون تسجيل إصابات. بيد أن هجمات أخرى توالت على منشآت ومواقع أخرى، ورغم ذلك، أكدت أرامكو استمرار الإنتاج والصادرات دون انقطاع جوهري، بل إن الشركة حافظت على التزاماتها تجاه العملاء، مؤكدة أن عملياتها مستمرة وأن الأحداث تمر والتحديات يتم تجاوزها وأرامكو تكمل المسيرة وتزداد قوة.
تعكس هذه التجارب نمطاً واضحاً وهو أن أرامكو جاهزة لأي أزمة أو تحد، ولديها المرونة والكفاءة للانتقال والتحول عبر الخطط والبدائل الاستراتيجية، فقد طورت أنظمة استجابة متقدمة تشمل الأمن المادي والسيبراني، ونوعت مسارات التصدير، وبنت مخزونات استراتيجية وعززت قدرتها على التشغيل من مواقع بديلة.
لقد وفرت التكاليف المنخفضة للإنتاج والاحتياطيات الهائلة هامشاً مالياً وموقعاً قوياً يسمح بالاستثمار المستمر في المرونة حتى في أوقات التوتر. كما ساهمت الخبرات المتراكمة في تحويل كل هجوم أو أزمة جيوسياسية إلى فرصة وزيادة في الموثوقية وصلابة الاعتمادية.
اليوم، مع استمرار التوترات الإقليمية، تظل قدرة أرامكو على التكيف أحد أبرز عوامل استقرار أسواق الطاقة العالمية. فمن التحديات التأسيسية إلى الهجمات المتكررة، أثبتت الشركة أن قوتها لا تكمن فقط في حجم احتياطياتها أو طاقتها الإنتاجية، بل في مرونتها المؤسسية وقدرتها على التخطيط الاستراتيجي والانتقال السريع إلى البدائل وإعادة التوازن بسرعة وكفاءة عاليتين، ما يجعلها ركيزة أساسية للاقتصاد السعودي ومورداً موثوقاً للعالم رغم التحديات الجيوسياسية المستمرة.
خبير استراتيجي في شؤون الطاقة
