لا شروط للإلهام والحدس سوى البداهة والحذاقة وحسن الالتقاط، كما حدث مع ريد هاستينغز الذي قاده أداء غرامة بقيمة 40 دولارا إلى تغيير حياته، وحفزه على تأسيس أكبر شركة ترفيه في العالم تقدر قيمتها السوقية نحو 289 مليار دولار.
تعود الواقعة إلى 1997 حين استأجر هاستينجز فيلم "أبولو 13" من متجر لأشرطة الفيديو، لكن الشريط ضاع من الرجل ما اضطره إلى دفع تعويض قدره 40 دولارا. هنا تساءل عن عدم وجود خدمة أو إمكانية تأجير الأفلام عن طريق البريد.
اهتدى هاستينجز الذي يملك شركة خاصة في مجال البرمجة (Pure Software)، برفقته صديقه مارك راندولف إلى فكرة إطلاق موقع إلكتروني يسمح للناس بتأجير أفلام DVD، وحتى شرائها، من منازلهم دون عناء التنقل إلى المتاجر، مستغلا حجم ووزن الأقراص الذي لا يكلف الكثير عبر البريد.
في أبريل عام 1998، انطلقت "نتفليكس" -لاحقا- كشركة لتأجير أسطوانات DVD بـ30 موظفا و900 فيلم للإيجار، ورأس مال بلغ 2,5 مليون دولار. وكانت تؤجر الأشرطة لأسبوع كامل مقابل 4 دولارات، يضاف إليها دولاران كرسوم عن الشحن.
بعد 5 أشهر فقط حققت الشركة أولى نجاحاتها ببيع 10 آلاف نسخة DVD خلال أسبوع واحد، وكان موضوع الشريط تسجيلا لشهادة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في قضية علاقته مع مونيكا لوينسكي.
كانت قلة انتشار أجهزة تشغيل أشرطة DVD أولى العقبات، فهذه الأجهزة كانت ترفا حينها، لا يملكها سوى أقلية من الأمريكيين. ما دفع هاستينجز عام 2000 إلى عرض نتفليكس للبيع مقابل 50 مليون دولار لشركة "Blockbuster"، عملاق تأجير الأشرطة حينها، التي غرمته ذات يوم 40 دولارا، حتى يقوم بلعب دور فرع الإنترنت، لكن الشركة رفضت العرض فدخلها السنوي تخطى 4,5 مليار دولار.
بعد نجاحها في دخول البورصة عام 2002، تمكنت الشركة من نسج علاقات تعاون مع 45 شركة توزيع أفلام، ما رفع إجمالي الأفلام في خزانتها إلى 35 ألف فيلم، ووسع قاعدة المشتركين لتبلغ 4.5 ملايين مشترك، وبدأت تشحن مليون قرص DVD يوميا عبر البريد.
تدريجيا شرعت نتفليكس في السيطرة على السوق، فبدأت في الإبداع بعرض خدمات جديدة من قبيل البث الرقمي الذي كان وقتها مرتبطا بموقع يوتيوب.
ثم اهتدت عام 2008 إلى فكرة بسيطة دشنت بها مسارا جديدا في حياة الشركة، بقرارها شراء حقوق البث الرقمي للأفلام من شركات مثل: "ديزني" و"سوني" و"ستارز"... نحو 30 مليون دولار سنويا فقط، لسذاجة الفكرة حينها.
حين أرادت نتفليكس إبرام صفقة بث جديدة للمحتوى عام 2012 مع "ديزني"، فرضت الأخيرة مبلغ 300 دولار سنويا، بعدما أدركت قيمة البث الذي تقوم عليه، فقد أسهم في رفع عدد المشتركين إلى 16 مليون مشترك عام 2010، ورفع مبيعات الشركة إلى 997 مليون دولار.
منح سقوط Blockbuster أكبر منافسي الشركة، والسبب وراء نشأتها هامش حركة أكبر، فشرعت في توسيع نطاق البث خارج الولايات المتحدة، بدءا بأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي (2011)، ثم في ربوع القارة الأوروبية، لتصبح متاحة في كافة أنحاء العالم عام 2016.
سارت خطة التوسع في أكثر من منحى، فقد غامر في إنتاج المحتوى عبر إطلاق مسلسلات خاصة بها، وكانت البداية عام 2013 مع "بيت الورق" (House of cards) الذي أضحى أول مسلسل يبث على الإنترنت، ما أعطاها ميزة تنافسية وهي الحصرية، فحتى تشاهد مسلسلا من إنتاجها ينبغي الاشتراك في الخدمة.
شجع ذلك الشركة للمضي قدما في هذا التوجه، فقد خصصت برسم العام الماضي ميزانية لصناعة المحتوى بلغت 16 مليار دولار، متجاوزة بمقدار الضعف أقرب منافسيها أمازون التي خصصت لها 7 مليارات، أما ميزانية شركة ديزني فلم تتعد 1,5 مليار دولار.
تربع نتفليكس اليوم على عرش شركات الترفيه والبث الحي في العالم، بما يزيد على 200 مليون مشترك في أكثر من 190 دولة حول العالم، وكان سر النجاح في ذلك، بحسب المؤسس في كتابه "قواعد اللاقواعد" هو أن «اتخاذ القرارات المصيرية في الشركة متاح لمن أراد، ذلك لأننا بنينا نتفليكس على ثقافة "الفريق" أكثر من ثقافة "العائلة».

