قد تبدو موجة التسريح الأخيرة في قطاع التكنولوجيا للوهلة الأولى إشارة إلى تحول كبير في سوق العمل من الاعتماد على العمالة البشرية إلى الذكاء الاصطناعي.
أعلنت شركة "ميتا" الأسبوع الماضي في مذكرة داخلية، نيتها تسريح 10% من موظفيها، أي نحو 8 آلاف موظف، إضافة إلى إلغاء خطط التوظيف لشغل 6 آلاف وظيفة شاغرة. وقد عرضت "مايكروسوفت" على آلاف من موظفيها برنامج تقاعد طوعي مع حزمة تعويضات، وهو الأكبر من نوعه في تاريخ الشركة.
لكن، وفقا لمجلة "فورتشن"، الواقع يقول أن الذكاء الاصطناعي لا يوفر للشركات تكاليف العمالة، بل يكلفها أكثر من توظيف البشر.
وعلى الرغم من غياب الأدلة القاطعة على تحسن الإنتاجية بفضل الذكاء الاصطناعي، تواصل شركات التكنولوجيا الكبرى ضخ مبالغ هائلة، فبحسب "مورجان ستانلي"، وصل الإنفاق الرأسمالي في هذا المجال إلى 740 مليار دولار هذا العام، بزيادة قدرها 69% عن عام 2025.
صرح برايان كاتانزارو، نائب رئيس قسم التعلم العميق التطبيقي في شركة "إنفيديا"، لموقع "أكسيوس": "تفوق تكلفة الحوسبة في فريقي تكلفة توظيف الموظفين بكثير".
وتدعم دراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2024 هذا الطرح. فقد وجدت أن أتمتة الوظائف بالذكاء الاصطناعي مجدية اقتصادياً في 23% فقط من المهام التي تعتمد على الرؤية البصرية، فيما كان استمرار البشر في عملهم أرخص في الـ 77% المتبقية.
أوضح كيث لي، أستاذ الذكاء الاصطناعي والتمويل في كلية "جوردون للأعمال"، أن استمرار الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وعمليات التسريح، في حين أن تكلفة العمالة البشرية لا تزال أقل، يكشف عن تباين جوهري في اقتصاديات الذكاء الاصطناعي.
وفقا للي، تكلفة استخدام الذكاء الاصطناعي أقل جدوى من تكلفة العمالة البشرية، بسبب ارتفاع تكاليف الأجهزة والطاقة التي تزيد من تكاليف تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي. وبحسب بيانات "ماكينزي"، من المتوقع أن يتطلب تلبية الطلب العالمي على قوة الحوسبة إنفاقاً رأسمالياً يصل إلى 6.7 تريليون دولار بحلول 2030. ومن هذا المبلغ الضخم، سيخصص 5.2 تريليون دولار لمراكز البيانات المجهزة لمعالجة الذكاء الاصطناعي، بينما سيخصص 1.5 تريليون دولار لتطبيقات تكنولوجيا المعلومات التقليدية.
علاوة على ذلك، قد تخسر الشركات المزودة للذكاء الاصطناعي بسبب الاشتراكات الثابتة التي لا تغطي تكاليف الاستخدام الكثيف، ما دفعها لزيادة الرسوم 20% إلى 37%، بحسب شركة "تروبيك" لإدارة الإنفاق.
نتيجة لذلك، أشار لي إلى أن الشركات أعادت تقييم الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة "مكملة" للموظفين وليست "بديلاً" موفراً للتكاليف، على الأقل حتى تستقر هيكلة التكلفة.
قد يكون الذكاء الاصطناعي أغلى من العمالة البشرية اليوم، لكن تظهر مؤشرات تنبئ بنقطة تحول نحو جدواه الاقتصادية.
تتوقع شركة "جارتنر" في تقرير حديث أن تنخفض تكلفة الاستدلال للنماذج الضخمة 90% خلال السنوات الأربع المقبلة.
ويتوقع لي أن تغير شركات الذكاء الاصطناعي طريقة تسعير أدواتها، متحولة من الاشتراك الثابت إلى التسعير القائم على الاستخدام.
لكن مستقبل الجدوى الاقتصادية للذكاء الاصطناعي سيعتمد أيضًا على إثبات جدارته، وتقليل الأخطاء والحاجة إلى الإشراف البشري، والاندماج في بنية الشركة التحتية، وفقا لما ذكره لي. وقد أظهرت بيانات الاحتياطي الفيدرالي أن نحو 18% من الشركات في الولايات المتحدة تبنت أدوات الذكاء الاصطناعي نهاية 2025، بزيادة قدرها 68% في معدل التبني منذ سبتمبر 2025.

