الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 5 مايو 2026 | 18 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

لماذا يُقلق الذكاء الاصطناعي الصيني منخفض التكلفة وادي السيليكون؟

«بلومبرغ»
«بلومبرغ»
الثلاثاء 5 مايو 2026 7:16 |10 دقائق قراءة
لماذا يُقلق الذكاء الاصطناعي الصيني منخفض التكلفة وادي السيليكون؟


تعجز شركات الذكاء الاصطناعي الصينية عن مضاهاة الإمكانات المالية لنظيراتها الأمريكية، في وقت فرضت الحكومة الأمريكية قيوداً حرمت هذه الشركات من الوصول إلى أحدث الرقائق المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تواصل الصين التقدم على حساب الريادة الأميركية في هذا المجال.

يركز مطورون صينيون، من بينهم "ديب سيك" (DeepSeek) و"علي بابا جروب هولدينج" (Alibaba Group Holding)، على تطوير أنظمة تضاهي تقريباً أداء أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي، من دون الاعتماد على أقوى العتاد.

وفي الوقت نفسه، تراهن الصين على نماذج الذكاء الاصطناعي "مفتوحة المصدر"، التي تتيح للمطورين الوصول إلى المعايير الداخلية ومشاركتها وتعديلها، كوسيلة لتسريع انتشار التقنية عبر مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني.

وهذا يُشكل تحدياً لنموذج الأعمال الأمريكي السائد القائم على استثمار مليارات الدولارات ودفع المستخدمين مبالغ طائلة مقابل أقوى تقنيات الذكاء الاصطناعي الاحتكارية.

إليك ما يجب معرفته عن الذكاء الاصطناعي الصيني ومدى التهديد الذي يمثله لشركات مثل "أوبن إيه آي" (OpenAI) و"أنثروبيك" (Anthropic) وغيرها من الشركات الأمريكية العملاقة.

Mon, 04 2026

كفاءة نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية

تُقيد ضوابط التصدير التي تعتمدها واشنطن وصول الصين إلى الرقائق المصممة أميركياً، والتي تُعد أسرع بنحو 20% وتستهلك طاقة أقل بنسبة 30% مقارنةً بنظيراتها الصينية، بفضل احتوائها على عدد أكبر من الترانزستورات في كل شريحة سيليكون.

وفي مواجهة هذا التحدي، اتجهت الأوساط التقنية في الصين نحو تطوير برمجيات ذكاء اصطناعي أكثر "اختزالاً"، ما يقلص عدد العمليات الحسابية المطلوبة لتحقيق نتائج تضاهي أداء أفضل النماذج الأمريكية.

يتحقق ذلك جزئياً عبر اعتماد تقنية تُعرف بمزيج الخبراء. فعند إدخال المستخدم استفساراً إلى روبوت دردشة صيني مثل "ديب سيك" أو "كوين" (Qwen) التابع لـ"علي بابا"، لا يحتاج النموذج إلى تشغيل كامل "الشبكة العصبية" لإنتاج استجابة (وهي عملية تُعرف بالاستدلال). بدلاً من ذلك، يُفعل شبكات فرعية متخصصة تُعرف بالخبراء، تستخدم جزءاً محدوداً فقط من القدرة الحاسوبية المتاحة.

وغالباً ما تتفوق نماذج مختبرات الذكاء الاصطناعي الأمريكية مثل "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" من حيث حجم البيانات التي يمكن معالجتها في تفاعل واحد ومدى تطور استجاباتها. إلا أن تحقيق ذلك يتطلب تفعيل عدد أكبر بكثير من "الخلايا العصبية" داخل النموذج، ما يستهلك قدر أكبر من طاقة الحوسبة.

ووفق بيانات الأداء التي نشرتها "ديب سيك"، فإن أقل من 3% من معلمات نموذجها الأحدث "V4-Pro" تعمل فعلياً في أي لحظة.

تراجعت أسهم شركات التكنولوجيا العالمية في أواخر يناير 2025 عقب إعلان "ديب سيك" عن نموذجها الجديد "R1"، الذي قدم أداءً يضاهي روبوتات الدردشة الأمريكية، لكن بتكلفة تطوير أقل بكثير.

فرغم استمرار "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" و"جوجل" في تقديم أقوى أدوات الذكاء الاصطناعي عالمياً، فإن "ديب سيك" ومنافستها الصينية الأصغر "مون شوت" (Moonshot) أصبحتا ضمن أفضل 12 نموذجاً، وفق تصنيفات "لايف بينش" (LiveBench) لنماذج اللغة الكبيرة.

كما أنها تتميز بكونها أقل تكلفة بكثير، إذ بلغت تكلفة نموذج "GPT-5.2" التابع لـ"أوبن إيه آي" نحو 14 دولاراً لكل مليون رمز إخراج (وهي وحدات البيانات التي تعالجها نماذج الذكاء الاصطناعي استجابةً لطلب المستخدم) حتى فبراير، أي ما يعادل نحو 33 ضعف تكلفة نموذج "V3.2-Exp" من "ديب سيك" البالغة 42 سنتاً أمريكياً لكل مليون رمز.

اتهمت "أنثروبيك" كلاً من "ديب سيك" و"مون شوت" ومختبراً صينياً آخر للذكاء الاصطناعي يُعرف باسم "ميني ماكس" (MiniMax) بشن "هجمات استخلاص بيانات على نطاق صناعي" من خلال استخراج قدرات بشكل غير قانوني من نموذجها "كلود" (Claude) باستخدام 24 ألف حساب احتيالي لتحقيق أفضلية تنافسية.

ومنذ ذلك الحين، تعاونت "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" و"جوجل" لمحاولة القضاء على هذه الممارسات. ولم ترد "ديب سيك" و"مون شوت" و"ميني ماكس" على طلبات التعليق المرسلة عبر رسائل البريد الإلكتروني.

البنية المفتوحة

تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة على استيعاب طيف واسع من البيانات التي ينتجها البشر، بهدف رصد الأنماط داخلها وتحديد العلاقات الأكثر تكراراً بين المقاطع اللفظية أو الكلمات أو الأصوات أو وحدات البكسل.

ومن خلال هذه العملية، تبني أنظمة الذكاء الاصطناعي شبكات عصبية ضخمة قادرة على تحليل مكونات النص المكتوب، وتوليد الاستجابة الأكثر ملاءمة استناداً إلى بيانات التدريب.

ولا تقوم المنصات الأميركية الرائدة بنشر معلمات نماذجها مثل "تشات جي بي تي" (ChatGPT) أو "كلود" أو "جيميناي" (Gemini)، ما يحد من قدرة المطورين الخارجيين على محاكاتها أو يفرض عليهم الدفع مقابل استخدامها.

وفي المقابل، ورغم تحفظ الشركات الصينية أيضاً بشأن البيانات المستخدمة لتدريب نماذجها، فإن العديد منها أتاح ما يُعرف بـ"الأوزان"، وهي القيم الرقمية التي يتم ضبطها خلال تدريب النماذج، للتنزيل، ما يتيح للجامعات والشركات الناشئة وشركات التكنولوجيا الصغيرة تطوير هذه النماذج وتكييفها لأداء مهام محددة من دون تكاليف إضافية.

يحوّل هذا النهج عملية البحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي إلى جهد جماعي على المستوى الوطني، ما يقلص تكاليف صيانة النماذج وتحديثها. كما تُسهم مرونة النماذج في تسهيل انتشار الذكاء الاصطناعي عبر مجموعة واسعة من القطاعات.

شهد نموذج "R1" انتشاراً سريعاً عقب إتاحة "ديب سيك" نماذجه، حيث طور المطورون نسخاً مخصصة منه للقطاعين المالي والطبي، إضافة إلى تطبيقات اللغة الصينية.

كما تجاوزت عائلة نماذج "كوين" التابعة لـ"علي بابا" مليار عملية تنزيل بحلول يناير، لتصبح الأكثر انتشاراً بين نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، متقدمة على منصة "لاما" (Llama) التابعة لشركة "ميتا بلاتفورمز" (Meta Platforms) المملوكة لمارك زوكربيرغ. وأفادت "علي بابا" بأن "كوين" أسهم في تطوير أكثر من 200 ألف نموذج مشتق حول العالم.

في هذا السياق، تمول الحكومات المحلية في الصين النماذج المفتوحة، وتشجع إنشاء مجتمعات للذكاء الاصطناعي تستضيف آلاف النماذج ومجموعات البيانات كأصول مشتركة يمكن تقاسمها لدعم الشركات المحلية.

وترى الحكومة الصينية في هذا التوجه، الهادف لتوسيع نطاق استخدام التكنولوجيا عبر الاقتصاد حتى لو جاء ذلك على حساب أرباح بعض الشركات، أداة لتعزيز نفوذها الناعم. كما تدعم بكين مبادرات مثل خطة العمل العالمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي في يوليو 2025، الرامية إلى توسيع إتاحة هذه النماذج لمطوري البرمجيات في الدول منخفضة الدخل.

الطاقة منخفضة التكلفة في الصين

في ظل استهلاك تدريب وتشغيل خدمات الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من الكهرباء، يضغط اعتمادها السريع بشكل متزايد على شبكات الطاقة عالمياً.

وفي عدد من الدول، يبرز تحدٍ واضح يتمثل في إنشاء محطات توليد جديدة ومزارع للطاقة الشمسية والرياح، إلى جانب تطوير خطوط نقل ومحطات فرعية ومحولات لازمة لمواكبة الطلب المتزايد.

لكن هذا التحدي يبدو أقل حدة في الصين، التي تواصل تعزيز قدراتها في توليد الكهرباء بوتيرة تفوق معظم الدول. ففي مناطق مثل منغوليا الداخلية، أسهم توفر الطاقة المتجددة منخفضة التكلفة في إقامة مئات مراكز البيانات المخصصة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا السياق، تعتمد الحكومة الصينية سياسات تهدف إلى دعم تنافسية شركاتها، من بينها فرض سقف على فواتير الكهرباء الخاصة بشركات الذكاء الاصطناعي. كما تتحمل الدولة نحو نصف تكاليف الكهرباء لبعض أكبر مراكز البيانات، بشرط اعتمادها حصراً على رقائق محلية الصنع.

الصناعة في الصين

في معظم دول العالم، يتركز الزخم نحو تبنّي الذكاء الاصطناعي في قطاع خدمات الأعمال، عبر أتمتة تفاعلات العملاء وتسريع العمليات التشغيلية وتعزيز الإنتاجية في مجالات مثل التمويل والقانون والرعاية الصحية. في المقابل، يوجه النهج الحكومي في الصين هذه التقنية نحو رفع الإنتاجية على مستوى الاقتصاد ككل، عبر دمجها في التجارة والصناعة والخدمات اللوجستية.

لا يبدو هذا التوجه مستغرباً، إذ يعتمد الاقتصاد الأميركي بشكل كبير على قطاع الخدمات، بينما تحتل الصين موقعاً مهيمناً عالمياً في إنتاج السلع الصناعية، بما يشمل السيارات الكهربائية والتقنيات منخفضة الكربون، إلى جانب كونها قوة بارزة في التجارة الإلكترونية ولاعباً صاعداً في قطاع الروبوتات.

وبحسب الاتحاد الدولي للروبوتات، استحوذت الصين على أكثر من نصف التركيبات الجديدة من الروبوتات الصناعية عالمياً خلال السنوات الأخيرة، مع أتمتة عمليات الفحص والتجميع والخدمات اللوجستية لدى الشركات المصنعة.

وأوضحت الحكومة أن هدفها لا يتمثل في إنشاء أكبر شركات ذكاء اصطناعي وأكثرها ثراءً، بل في توظيف هذه التقنية لتعزيز التفوق التكنولوجي وتسريع النمو الاقتصادي.

تتصدر الشركات والمؤسسات الأكاديمية الأمريكية الأبحاث العلمية الأساسية طويلة الأمد لتطوير التقنيات الجوهرية للذكاء الاصطناعي، بينما يركز مجتمع الذكاء الاصطناعي في الصين على تجميع كميات ضخمة من البيانات الناتجة عن التطبيقات الفعلية، وإعادة توظيفها لتحسين أداء النماذج.

في هذا الإطار، دمجت شركة "بي واي دي" (BYD) الذكاء الاصطناعي في خطوط تجميع سياراتها الكهربائية لتقليص زمن دورات الإنتاج وخفض هدر المواد، حيث سجلت انخفاضاً بنسبة 40% في أعطال البطاريات وتحسناً بنسبة 20% في عمرها الافتراضي، وهو ما عزته إلى أنظمة ضمان الجودة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

كما اعتمدت شركة "فوكسكون" (Foxconn)، الشريك الصيني لشركة "أبل" في تجميع هواتف "أيفون"، على تقنيات الرؤية الحاسوبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لاكتشاف العيوب وتحسين كفاءة استخدام الطاقة داخل خطوط الإنتاج، ما أدى إلى خفض استهلاك الطاقة بنسب مزدوجة الرقم في بعض المواقع، فيما أسهمت أنظمة الفحص الآلي للجودة باستخدام الذكاء الاصطناعي في تقليل معدلات العيوب. وفي السياق ذاته، تتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي لدى عملاقة التجارة الإلكترونية "علي بابا" حالياً إدارة الجزء الأكبر من مهام خدمة العملاء الروتينية.

تشجع الحكومة، بل وتقدم تمويلاً أيضاً، لنشر الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في قطاعات التصنيع والخدمات اللوجستية والمهام الخدمية، كوسيلة لمواجهة النقص المتزايد في القوى العاملة نتيجة تراجع عدد السكان في سن العمل.

ومع ذلك، يتوخى المسؤولون في بكين الحذر نظراً لاحتمال أن يؤدي التحول السريع والشامل إلى الأتمتة إلى تسريحات واسعة للعمال وموجة من الاضطرابات الاجتماعية.

الاستراتيجية الوطنية في الصين

حتى في حال رغبة رواد الأعمال في قطاع التكنولوجيا بالصين في الانخراط بسباق القوة الحوسبية الذي تقوده شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية سعياً وراء أرباح ضخمة، يبقى تحقيق ذلك غير مضمون.

فقد عبر الرئيس الصيني شي جين بينغ عن رفضه للمظاهر المفرطة للثراء، حين أطلق حملة واسعة ضد مليارديرات البلاد خلال الفترة بين 2020 و2023، مؤكداً توجهه نحو توظيف رأس المال لخدمة الهدف الأعلى للحزب الشيوعي الصيني، والمتمثل في تحقيق نمو اقتصادي مستقر يخلق فرص عمل.

في المقابل، تعمل الحكومة الصينية على بناء منظومة وطنية متكاملة لتزويد شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة بالكفاءات العلمية والتمويل الرخيص والفرص التجارية. وقد ساهمت خطة تطوير الجيل الجديد للذكاء الاصطناعي لعام 2017 في تنسيق الحوافز بين المؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص، بحيث تتولى الجامعات قيادة الأبحاث، بينما تسوق الشركات لابتكاراتها.

تستهدف أحدث المبادرات الحكومية، التي أُطلقت في 2025 تحت اسم "AI Plus"، دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف مفاصل الاقتصاد والمجتمع.

ففي هذا الإطار، يتعلم طلاب المدارس الابتدائية البرمجة وتصميم نماذج الذكاء الاصطناعي، في حين أنشأت الحكومات المحلية مجمعات تكنولوجية مدعومة، وتستفيد الشركات من التمويل وتيسير الوصول إلى كميات ضخمة من البيانات اللازمة لتدريب النماذج، إلى جانب فرص تعاقد مضمونة.

كما تأسست عدة شركات ناشئة صينية في هذا المجال على يد أساتذة أو خريجي جامعات مرموقة عقب تحقيق إنجازات علمية، قبل أن تُدمج سريعاً ضمن منظومة الدولة.

ومن بينها، شركة "نوليدج أطلس تكنولوجي" (Knowledge Atlas Technology JSC) المعروفة باسم "زيبو إيه آي" (Zhipu AI)، التي أسسها أساتذة من جامعة تسينغهوا، تانغ جي ولي جوانزي، في 2019، وشُجعت على مواءمة استراتيجيتها مع الأهداف الوطنية.

وقد حصلت على عملاء حكوميين ودعم من صناديق الدولة مثل "بكين تشونغ قوان تسون سيتي إنوفيشين ديفلوبمنت" (Beijing Zhongguancun Science City Innovation Development) وحكومة إقليم تشنغدو، إلى جانب استفادتها من موارد حوسبة مدعومة من الدولة وسياسات تفضيلية تدعم الشركات المحلية الرائدة في قطاع الذكاء الاصطناعي.

وفي ضوء هذا الدعم الحكومي، تتجه شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى مواءمة أعمالها مع الأولويات الوطنية، ما يجعل نشر التكنولوجيا على نطاق واسع أولوية على حساب تحقيق الأرباح، وفقاً لتقرير تحليلي معمّق صادر عن "بلومبرغ إنتليجنس" في ديسمبر.

التوسع في الخارج

تنظر الحكومة في بكين إلى نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر القابلة للدمج عبر مختلف الصناعات باعتبارها أصلاً وطنياً على غرار الطرق أو شبكات الكهرباء أو الاتصالات. ويمكن تصدير هذا الأصل إلى دول أخرى لتعزيز اعتمادها على التكنولوجيا الصينية.

تتنافس منصات الذكاء الاصطناعي الصينية والأميركية في مناطق مثل جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، حيث تثير احتمالات وصول جهات صينية إلى البيانات الحكومية أو المؤسسية أو الشخصية مخاوف أقل مقارنةً بالدول الغربية.

في هذا السياق، يسعى عمالقة التكنولوجيا الصينية مثل "علي بابا" و"هواوي تكنولوجيز" (Huawei Technologies) و"تينسنت هولدينغز" (Tencent Holdings) إلى استقطاب عملاء لمنصاتها السحابية في بعض هذه الأسواق سريعة النمو.

وتتمثل خطتها في التفوق على منافسيها الأميركيين عبر تقديم كل ما يحتاجه العميل لتبني الذكاء الاصطناعي الصيني، مثل منصة "كوين" أو "ديب سيك"، وحوسبة سحابية منخفضة التكلفة، واتصال بالإنترنت وبالأجهزة اللازمة.

كما قامت هذه الشركات بتكييف نماذجها الصينية لتلائم اللغات المحلية واللوائح الوطنية. وسعت الحكومة إلى تسهيل هذا التوسع عبر تقديم تمويل لعدة دول ضمن مبادرة "الحزام والطريق" وبرامج أخرى.

يبدو أن هذا النهج يحقق نتائج ملموسة، إذ استحوذت نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية الصينية على نحو 15% من الحصة السوقية العالمية في نوفمبر 2025، ارتفاعاً من حوالي 1% قبل عام، وفقاً لسوق نماذج الذكاء الاصطناعي "أوبن راوتر" (OpenRouter).

هل يمثل تهديداً للذكاء الاصطناعي الأمريكي؟

في الوقت الراهن، لا يزال حضور الشركات الصينية الكبرى في الأسواق الأميركية والأوروبية محدوداً بشكل واضح، إذ تدفع القواعد واللوائح التنظيمية المرتبطة بحماية البيانات والأمن القومي العملاء هناك، خاصة الجهات الحكومية والشركات الكبرى، إلى تجنب الاعتماد على خدمات الحوسبة السحابية الصينية.

مع ذلك، لم يمنع هذا الواقع كبار مزودي الخدمات السحابية في الولايات المتحدة، مثل "مايكروسوفت" و"أمازون دوت كوم"، من إتاحة نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية لعملائهم، مع تنفيذ عملية الاستدلال في مراكز بيانات خارج الصين.

وتُقدم المنصات الصينية كبديل أكثر مرونة وقابلية للتكيف من النماذج الأميركية نظراً لنهجها المفتوحة. كما أنها تستهلك قدراً أقل من كهرباء المعالجة عند الاستجابة لاستفسارات المستخدمين، ما يجعلها أرخص بكثير.

تنفق شركات الذكاء الاصطناعي الصينية والأميركية مبالغ طائلة على القدرة الحاسوبية اللازمة لتشغيل منصاتها، إذ تشتري هذه القدرة كخدمة من مزودي خدمات الحوسبة السحابية مثل "علي بابا" و"جوجل" و"أمازون ويب سيرفيسز" و"مايكروسوفت".

وتستند الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على فرضية أن هذه المنصات ستصبح تدريجياً جزءاً لا غنى عنه في الحياة العملية، ما يتيح للشركات رفع الرسوم المفروضة على المستخدمين بشكل كبير. وحتى الآن، لا يمكن الجزم بموعد، أو حتى ما إذا، كانت هذه الإيرادات ستغطي حجم النفقات.

هذا ينطبق على شركات الذكاء الاصطناعي الصينية مثل "ميني ماكس"، التي تنفق مبالغ كبيرة على خدمات الحوسبة لدى "علي بابا"، كما ينطبق على "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" وغيرها من الشركات الأميركية التي تنفق بكثافة.

وقد أطلقت "علي بابا" هذا العام عدة منصات ذكاء اصطناعي مغلقة وخاصة بها، إلى جانب نماذجها المفتوحة، في مؤشر محتمل إلى مواجهة الشركات الصينية ضغوطاً لتعزيز العوائد على استثماراتها في هذا القطاع.

يكمن قلق المستثمرين في الذكاء الاصطناعي الأمريكي في أن انخفاض التكلفة وتحسن الأداء للنماذج الصينية سيقوضان قدرة الشركات الأميركية على تبرير أسعار خدماتها المرتفعة، وقد يدفع ذلك شريحة واسعة من المستخدمين في الأسواق الغربية إلى التغاضي عن مخاوف أمن البيانات والاتجاه نحو البدائل الصينية.

قال روبرت ليا، المحلل لدى "بلومبرغ إنتليجنس": "لن تعتمد الدول الحليفة لأميركا ديب سيك بشكل رسمي، لكن في ظل التركيز الحالي على خفض التكاليف، إذا قدم ديب سيك 90% من قدرات تشات جي بي تي، فقد يتبنى المستهلكون موقفاً مختلفاً عن الحكومات".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية