الخميس, 24 سبتمبر 2026|11 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

تتجه وتيرة الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لتصبح الرهان الاقتصادي الأكبر على الإطلاق في تاريخ الولايات المتحدة، متجاوزة الاستثمارات التاريخية التي مولت السكك الحديدية وشبكة الطرق السريعة والبنية الأولية للإنترنت.

وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، تشير تقديرات الخبير الاقتصادي ستين فان نيويربيرج، التي نشرها معهد "بروكينجز"، إلى أن إجمالي الاستثمارات الموجهة نحو مراكز البيانات وتجهيزاتها سيبلغ نحو 10.3 تريليون دولار بين عامي 2025 و2032، أي ما يعادل 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً في المتوسط.

ولم يسبق للاقتصاد الأمريكي أن كان معتمداً بهذا القدر على تطوير صناعة واحدة بعينها. ورغم صعوبة التنبؤ الدقيق بحجم التدفقات الرأسمالية المستقبلية، فإن تقديرات "جولدمان ساكس" ترجح وصول الإنفاق على الذكاء الاصطناعي إلى 1.9% من الناتج المحلي بحلول عام 2026، وهي نسبة لم تسجل منذ طفرة السكك الحديدية أواخر القرن التاسع عشر. تحدث هذه السيولة تحولات جذرية، لكنها تحمل مخاطر مالية واقتصادية بالغة التعقيد تتجلى في محاور رئيسية.

قطاع الإنشاءات ومزاحمة الموارد

كانت مراكز البيانات نقطة مضيئة لقطاع البناء وسط فترة تراجع صعبة في تشييد المنازل والمراكز التجارية. فقد بلغ الإنفاق على بنائها 37 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، بزيادة 9 مليارات دولار مقارنة بالعام السابق، وفقاً لبيانات وزارة التجارة، بينما هبطت سائر مشاريع البناء بنحو 46 مليار دولار.

في المقابل، احتكر عمالقة التكنولوجيا العمالة المؤهلة وموارد الطاقة. وقد أفاد بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند أخيرا بأن عمليات إنشاء مراكز البيانات تضغط على توافر العمالة في المنطقة التي يغطيها. ففي ولاية مسيسيبي تخلت شركة ألمنيوم عن إنشاء مصهر كان سيؤمن ألف وظيفة بعدما استهلك مركز بيانات محلي قدرات شبكة الكهرباء المتاحة، فتوجه المشروع إلى أوكلاهوما. ومع ارتفاع أسعار الأراضي المجاورة للمرافق الحيوية، بات الذكاء الاصطناعي يزاحم الصناعات التحويلية الثقيلة ويفرض قيوداً تشغيلية عبر البلاد.

ديون خفية ومخاطر ائتمانية

تتوقع مؤسسة "فاكت سيت" أن يبلغ الإنفاق الاستثماري لشركات التكنولوجيا الكبرى الخمس ("ألفابت"، و"أمازون"، و"ميتا"، و"مايكروسوفت"، و"أوراكل") نحو 4.2 تريليون دولار خلال أربع سنوات تنتهي في 2029. وتكمن المعضلة في تمويل جزء متنام من هذا الإنفاق بالاقتراض.

تعتمد شركات التكنولوجيا غالباً على كيانات خارج ميزانياتها العمومية للحصول على قروض من البنوك وشركات الائتمان الخاص، بعيداً عن الرقابة والإفصاح العام، بحسب الخبير فان نيويربيرج. وإذا عجزت عوائد الذكاء الاصطناعي عن تغطية تكلفة خدمة هذه الديون الضخمة، فإن تداعيات التعثر المالي ستنتقل مباشرة إلى قلب النظام المصرفي والأسواق الائتمانية.

سوق العمل وارتفاع الأجور المهنية

ينقسم الاقتصاديون عما إذا كان الذكاء الاصطناعي يلحق حالياً ضرراً ملموساً بفرص العمل المتاحة للموظفين الإداريين والمهنيين. فقد أحدث التوسع طلباً استثنائياً على الكفاءات المتخصصة، وأسهم في إيجاد أكثر من 750 ألف وظيفة جديدة في الولايات المتحدة بين عامي 2023 و2026 وفق منصة "لينكد إن"، بمتوسط راتب بلغ 180 ألف دولار مقارنة بـ 80 ألفاً للوظائف الأخرى غير ذات العلاقة.

وفي هذا الصدد، قال كوري كانتينجا، رئيس قسم الاقتصاد لمنطقتي الأمريكتين في "لينكد إن": "يعد المجال أحد القطاعات القوية والنشطة في ظل سوق عمل تتسم بالبطء الشديد".

علاوة على ذلك، امتد الأثر الإيجابي ليشمل المهن الحرفية. ففي منطقة واشنطن العاصمة تضاعف عدد الفنيين والكهربائيين تحت مظلة النقابات العمالية ليصل إلى 17500 عامل، مع رواتب تصل إلى 62 دولاراً في الساعة للمحترفين مع ساعات عمل إضافية وفيرة، ما شجع حملة الشهادات الجامعية على التحول نحو المهن الفنية لسداد ديون الدراسة والاستفادة من وتيرة البناء المتسارعة، وفقاً لما ذكره دون سلايمان، منسق لنقابة عمالية.

أثر الثروة والضغوط التضخمية

قفزت حيازات الأسر الأمريكية من الأسهم وصناديق الاستثمار إلى 63 تريليون دولار مدفوعة بمكاسب أسواق الأسهم، ما دعم إنفاق الفئات الثرية وأنعش سوق العقارات الفاخرة في سيليكون فالي رغم الركود العقاري الوطني.

لكن هذا الرواج غذى التضخم ورفع فواتير الكهرباء وتكاليف المعيشة. فقد ارتفعت أسعار واردات الحواسيب ومكوناتها وأشباه الموصلات 20% سنوياً في أغسطس، ما انعكس على أسعار الإلكترونيات الاستهلاكية. كما أسهم اقتراض شركات التكنولوجيا الكبرى في رفع عوائد السندات وأسعار الفائدة طويلة الأجل، ملقياً بأعباء إضافية على الطبقات المتوسطة التي لا تملك أصولاً في أسواق المال.

منتدى الاقتصادية 2026