الثلاثاء, 18 أغسطس 2026|4 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

لم تعد السوق المالية السعودية مجرد شاشة تتبدل أرقامها مع كل جلسة تداول؛ فقد أصبحت إحدى الواجهات الرئيسية للتحول الاقتصادي الذي تشهده السعودية، واتسعت معها أدواتها، وتنوع مستثمروها، وتزايدت التطلعات المعلقة على دورها في الاقتصاد الوطني.

ومن هنا، لا يبدو تعيين مازن السديري رئيسًا لمجلس هيئة السوق المالية مجرد تغيير في قيادة الجهة المنظمة، بقدر ما يفتح فصلًا جديدًا في مسيرة سوق تتسارع تحولاتُها وتتعدد ملفاتها.

يأتي السديري سادس من يتولى رئاسة المجلس، خلفًا لمحمد القويز ليجد أمامه مرحلة تحمل كثيرًا من الأسئلة: ماذا تنتظر السوق من رئيسها الجديد؟ وأي الملفات ستكون في مقدمة أولوياته؟ وهل يمثل التعيين امتدادًا لمسار التطوير الذي شهدته السوق خلال السنوات الماضية، أم بداية لمرحلة مختلفة؟

أسئلة حملناها إلى عدد من الاقتصاديين والخبراء، فجاءت قراءاتهم لتكشف عن توقعات متعددة، لكنها تلتقي عند أهمية المرحلة المقبلة، وما يمكن أن تحمله من فرص لمواصلة تطوير السوق وتعزيز تنافسيتها وكفاءتها.

قال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد مكني إن أمام رئيس هيئة السوق المالية الجديد، مازن السديري، عدداً من الملفات المهمة، في مقدمتها تعزيز عمق السوق ورفع مستويات السيولة بشكل مستدام، وبناء بيئة استثمارية أكثر جاذبية للمستثمرين المحليين والأجانب.

وأوضح مكني أن معالجة تحديات السيولة لا ترتبط فقط بزيادة عدد الشركات المدرجة، وإنما تتطلب تعزيز الثقة بالسوق من خلال تطوير التشريعات والأنظمة، وتنويع الأدوات والفرص الاستثمارية، ورفع مستوى حماية المستثمرين، خصوصاً صغار المستثمرين، إلى جانب تعزيز سرعة وكفاءة الإفصاح.

تنظيم الاكتتابات والتركيز على جودة الشركات

وأشار مكني إلى أهمية إعادة تقييم وتيرة الاكتتابات، والتأكد من قدرة السوق على استيعاب الطروحات في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية، مؤكداً أن التركيز يجب ألا ينصب على زيادة عدد الشركات المدرجة، وإنما على جودة الشركات من حيث الربحية والحوكمة والإفصاح.

وفيما يتعلق بدور الهيئة في الاكتتابات، أوضح مكني أن مسؤوليتها تتمثل في التأكد من سلامة الإجراءات والالتزام بالأنظمة، وعدالة التقييم، وتوفير الحماية اللازمة للمستثمرين.

الثقة مفتاح السيولة

وشبّه مكني السوق المالية بالعملة، موضحاً أن قوة العملة وقدرتها على جذب المستثمرين ترتبط بدرجة الثقة بها، وهو ما ينطبق على السوق المالية.

وبيّن أن رئيس الهيئة يمكن أن يسهم في تعزيز السيولة بشكل غير مباشر، من خلال متابعة تطبيق وتطوير التشريعات، وتوفير أدوات استثمارية متنوعة، وتعزيز حماية المستثمرين، ورفع مستوى الإفصاح وسرعته.

وأكد أن هذه العوامل تسهم مجتمعة في رفع الثقة بالسوق، ومن ثم جذب المستثمرين وتدفق السيولة، مشدداً على أن المستثمر لن يضخ أمواله في سوق تفتقر إلى الثقة.

تأثير الهيئة في أداء السوق

وعن مدى تأثير هيئة السوق المالية في ارتفاع السوق أو تراجعه، أوضح مكني أن تأثيرها يظهر بصورة أساسية من خلال البيئة الاستثمارية والتنظيمية، وليس عبر التدخل المباشر في أسعار الأسهم.

وقال إن وضوح التشريعات، وارتفاع مستوى الإفصاح، وحماية المستثمرين، وتطبيق الممارسات العالمية، كلها عوامل تؤثر في جاذبية السوق وثقة المستثمرين، وبالتالي تنعكس على أداء المؤشر.

وأكد مكني أهمية البناء على ما تحقق خلال السنوات الماضية من تطوير للأنظمة والتشريعات، ومواصلة تحسينها بما يعزز تنافسية السوق المالية السعودية ويرفع كفاءتها.

من جانبه قال المحلل المالي الدكتور سليمان الخالدي إن هيئة السوق المالية السعودية دخلت مرحلة جديدة مع تعيين مازن السديري رئيساً لمجلس إدارتها، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تحمل أربعة ملفات رئيسية ستحدد ملامح عمل الهيئة، في وقت تتطلب فيه المرحلة توازناً بين صرامة التنظيم وتحفيز الاستثمار وتعزيز جاذبية السوق.

وأوضح الخالدي أن تعميق السوق وجذب الاستثمارات المؤسسية، وتطوير سوق الصكوك، وتعزيز الرقابة والحوكمة، وإعادة تنظيم سوق "نمو"، تأتي في مقدمة الملفات التي تتطلب اهتماماً خلال المرحلة المقبلة.

تنظيم الاكتتابات وحماية السيولة

وفيما يتعلق بدور الهيئة في الاكتتابات، أوضح الخالدي أن الهيئة لا تتدخل في التسعير المالي للطروحات، وإنما يتركز دورها على ضمان الشفافية وصحة الإفصاحات، إلى جانب تنظيم جدول الإدراجات بما يحد من استنزاف السيولة، وتحديث ضوابط سجل الأوامر.

وأشار إلى أن تنظيم وتيرة الطروحات يمثل أحد الملفات المهمة في ظل حاجة السوق إلى تحقيق التوازن بين استيعاب الاكتتابات الكبرى والحفاظ على مستويات السيولة المتاحة للمستثمرين.

تحفيز السيولة

وبيّن الخالدي أن الهيئة يمكن أن تسهم في تحفيز السيولة من خلال أدوات مباشرة، تشمل إطلاق منتجات استثمارية جديدة وتسهيل التمويل بالهامش، إلا أن حركة السيولة في السوق تظل مرتبطة بدرجة أكبر بالعوامل الاقتصادية الكبرى، وفي مقدمتها أسعار الفائدة وأسعار النفط.

وأضاف أن قرارات الهيئة تؤثر في السوق بصورة مباشرة من خلال القواعد التنظيمية وآليات تداول المستثمرين الأجانب، فيما يظهر تأثيرها غير المباشر عبر تطوير متطلبات الإفصاح والحوكمة، بما يعزز استقرار السوق على المدى الطويل.

مرحلة مفصلية

وأكد الخالدي أن المرحلة المقبلة تتطلب تحقيق معادلة تجمع بين ارتفاع مستويات الشفافية والحوكمة، والمرونة والجاذبية الاستثمارية، بما يتيح للسوق استقطاب السيولة واستيعاب الطروحات الكبرى دون الضغط على المستثمرين.

ووصف الخالدي مازن السديري بأنه "ابن السوق" كونه جاء من داخل المنظومة المالية، معتبراً أن معرفته بالسوق ومكوناتها قد تصب في مصلحة المتداولين وتدعم قدرته على التعامل مع تحديات المرحلة المقبلة.

وأعرب عن تفاؤله بأن تسهم المرحلة الجديدة في تعزيز مكانة السوق المالية السعودية بين الأسواق الناشئة عالمياً، بعد الأداء الضعيف الذي سجلته السوق خلال 2025، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تمثل فرصة لإعادة تعزيز جاذبية السوق وتنافسيتها.

 بدوره كشف الخبير الاقتصادي أحمد الشهري للاقتصادية أن أبرز التحديات أمام رئيس هيئة السوق المالية الجديد تتمثل في الانتقال بالسوق السعودية من مرحلة البناء والتوسع إلى مرحلة الجودة والكفاءة والاستدامة، مشيراً إلى أن تعزيز السيولة وعمق السوق، ورفع جودة الإفصاح والحوكمة، وزيادة المشاركة المؤسسية، وجذب رأس المال الأجنبي والمحلي والاحتفاظ به، تأتي في مقدمة الأولويات.

وأوضح الشهري أن تقييم صحة السوق لا ينبغي أن يقتصر على عدد الشركات المدرجة وحجم الاكتتابات، بل يجب أن يشمل مؤشرات أوسع، من بينها السيولة، والتدفقات الأجنبية، والملكية المؤسسية، وجودة الأرباح، وقدرة الشركات المدرجة على خلق قيمة بعد الإدراج.

وأضاف أن التحدي الأهم يتمثل في الانتقال من سؤال "كيف يدخل رأس المال إلى السوق؟" إلى "كم سيخصص للسوق السعودية، وما الذي يجعله يبقى؟"، مؤكداً أن استدامة تدفقات رأس المال ستكون أكثر أهمية من مجرد استقطابه.

تنظيم الاكتتابات

وبيّن الشهري أن دور رئيس الهيئة يرتبط بتنظيم الإطار الذي تتم من خلاله عمليات الطرح والإدراج، والتأكد من جودة الإفصاح والالتزام بالمتطلبات التنظيمية، إلى جانب حماية المستثمرين وتعزيز كفاءة السوق.

وأوضح أن حجم الاكتتابات وعددها لا يحدده رئيس الهيئة بشكل مباشر، إذ تتأثر الطروحات بعوامل عدة، تشمل ظروف السوق، وتقييمات الشركات، وشهية المستثمرين، وتكلفة التمويل، وأداء الشركات، واحتياجاتها من رأس المال.

وأكد أن زيادة الاكتتابات أو تراجعها لا يمكن اعتبارها مؤشراً منفرداً على أداء الهيئة، مشدداً على أن الأهم هو جودة الشركات التي تدخل السوق، وجودة الإفصاح عنها، وقدرتها على خلق قيمة بعد الإدراج.

تعزيز السيولة

وأشار الشهري إلى أن رئيس الهيئة يستطيع الإسهام في تعزيز السيولة بصورة غير مباشرة، من خلال تحسين البيئة الاستثمارية وجعل السوق أكثر جاذبية لرأس المال، عبر رفع كفاءة السوق واكتشاف الأسعار، وتحسين جودة المعلومات والإفصاح، وتعزيز حماية المستثمرين، وتطوير المنتجات والأدوات المالية، وزيادة عمق السوق، ودعم المشاركة المؤسسية والاستثمار طويل الأجل.

وقال إن الهيئة لا تصنع السيولة بشكل مباشر، لكنها تستطيع تهيئة الظروف التي تجذب السيولة وتساعد على استدامتها.

تأثير الهيئة في أداء السوق

وحول تأثير الهيئة في ارتفاع المؤشر أو تراجعه، أوضح الشهري أن من الصعب اعتبارها سبباً مباشراً لتحركات السوق، في ظل تأثر المؤشر بعوامل اقتصادية ومالية متعددة، تشمل أسعار النفط والفائدة، والنمو الاقتصادي، وأرباح الشركات، والتقييمات، والتدفقات الاستثمارية العالمية، إضافة إلى التطورات الجيوسياسية.

وأشار إلى أن تأثير الهيئة يظهر بصورة أكبر على المدى الطويل، من خلال التنظيم والإفصاح والحوكمة والإنفاذ وحماية المستثمرين، إلى جانب تعزيز عمق السيولة وكفاءة اكتشاف الأسعار.

وأكد الشهري أن تقييم أداء الهيئة لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: "هل ارتفع المؤشر أم انخفض؟"، وإنما يجب أن ينظر إلى مدى تحول السوق إلى سوق أكثر كفاءة في الصعود والهبوط، وأكثر قدرة على جذب رأس المال والاحتفاظ به، مع تحسين مستويات الإفصاح والتسعير والحوكمة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية