على الورق، يبدو الاقتصاد الأمريكي مزدهرا. فمعدلات البطالة ما زالت منخفضة، والإنفاق الاستهلاكي قوي، واستثمارات الشركات مستقرة، وحقق الاقتصاد أكبر نمو منذ أعوام.
سجل الاقتصاد نمواً سنوياً قوياً بلغ 4.4% في الربع الأخير، متجاوزا توقعات تنذر بتباطؤ وشيك. إلا أن هذا الأداء الإيجابي يخفي وراءه نقاط ضعف متزايدة، إذ يحذر خبراء الاقتصاد من أن النمو يعتمد على ركائز محدودة ومتركزة، ما يجعل الاقتصاد مستقراً ظاهريا لكنه هش من الداخل.
وفقا لصحيفة "واشنطن بوست"، تشبه كبيرة الاقتصاديين في شركة "كيه بي إم جي" ديان سوانك، الاقتصاد الأمريكي الحالي بـ "كراس بساق واحدة"، مضيفة: "لا نزال صامدين، لكن يبقى السؤال: إلى متى يمكننا أن نظل متماسكين؟".
سوق العمل من بين أهم الركائز، فقد أظهرت صلابة لافتة رغم ارتفاع أسعار الفائدة وتغير السياسات الاقتصادية وحالة عدم اليقين، وبلغ معدل البطالة 4.4%، وهو مقارب لأدنى مستوياته التاريخية.
غير أن التدقيق في مصادر نمو الوظائف يكشف اعتماداً كاملا تقريبا على قطاع واحد، هو الرعاية الصحية والمساعدات الاجتماعية. فقد شكل القطاع نحو 97% من إجمالي 733 ألف وظيفة في القطاع الخاص استحدثت في مختلف قطاعات الاقتصاد الأمريكي العام الماضي، في حين شهدت قطاعات أخرى مثل التصنيع والنقل وبعض المهن المكتبية خسائر واضحة.
ويرى خبراء، مثل دانيال تشاو من موقع "جلاس دور" المتخصص في التوظيف: "حجم النمو الوظيفي الذي حققته الرعاية الصحية والمساعدة الاجتماعية مذهل، إنها الركيزة الأخيرة المتبقية للنمو". وأضاف أن "التركز في قطاع واحد محفوف بالمخاطر، لأن أي تباطؤ في توظيف القطاع الصحي قد ينعكس سريعاً على الاقتصاد كاملا، لا سيما مع تراجع وتيرة التوظيف في القطاع خلال النصف الثاني من 2025 مقارنة بالنصف الأول".
أما الركيزة الثانية فهي الإنفاق الاستهلاكي، الذي تقوده الشريحة الأغنى. فقد استفاد الأغنياء، على نحو غير متناسب، من ارتفاع أسعار المنازل والأسهم بعد الجائحة. وتشير بيانات وكالة "موديز أناليتكس" إلى أن أعلى 10% من الأمريكيين، ممن تزيد دخولهم على 275 ألف دولار سنوياً، يشكلون 45% من إجمالي الإنفاق، مقارنة بنحو 39% قبل الجائحة. هذا يفسر استمرار الإنفاق على الكماليات مثل السفر وتناول الطعام خارج المنزل، رغم تقليص أسر أخرى إنفاقهم على هذه الفئات.
قال كبير الاقتصاديين في "موديز" مارك زاندي: "يظهر هذا بوضوح اعتماد الاقتصاد على إنفاق أصحاب الدخل الأعلى". مضيفا أن "هذا النمط يجعل النمو هشاً، لأن إنفاق هذه الشريحة مرتبط بتقلبات سوق الأسهم. ففي حين ظل إنفاق ذوي الدخلين المنخفض والمتوسط ثابتا تقريبا بعد احتساب التضخم، ارتفع إنفاق أعلى 20% أكثر من 4% سنوياً منذ 2020".
وثالث ركيزة يعتمد عليها الاقتصاد الأمريكي هي استثمارات الشركات، التي تقودها طفرة الذكاء الاصطناعي. فقد أنفقت شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل "مايكروسوفت" و"جوجل" و"أمازون" و"ميتا"، نحو 360 مليار دولار خلال عام واحد على مراكز بيانات ومعدات وتكنولوجيا مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وأسهم ذلك في رفع أسعار الأسهم إلى مستويات قياسية، خاصة لدى كبريات شركات التكنولوجيا.
مع ذلك، يقول الباحث البارز في معهد "بروكينجز" والمتخصص في دراسة اقتصاد الذكاء الاصطناعي مارك مورو، "إن الذكاء الاصطناعي ليس مصدرا مضمونا للنمو"، ويحذر من مخاطر فقاعة محتملة.
وفي خطاب ألقاه أخيرا، قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند توم باركين: "إن المحركين الرئيسيين لاقتصاد اليوم هما منظومة الذكاء الاصطناعي والمستهلكون الأثرياء"، مضيفا أن "أي تراجع في تقييمات هذه الشركات قد ينعكس سريعاً على الثروة والإنفاق".


