تدخل الأسهم السعودية الأسبوع المقبل وهي تقف على توازن دقيق. فالأسعار الحالية لا تبدو مرتفعة بالمعايير التاريخية، لكنها في الوقت نفسه لا تمنح المستثمر هامش أمان واسعا.
السوق، ببساطة، تقدم عائدا يكاد يعادل ما يطلبه المستثمر مقابل المخاطرة، لذلك فإن أي تغير في تكلفة رأس المال قد يعيد فتح النقاش حول مستوى الأسعار المقبول.
ومن هنا تأتي أهمية اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المقبل.
فالمسألة بالنسبة إلى المستثمر لا تتوقف عند ما إذا كان الفيدرالي سيرفع الفائدة أو يثبتها. الأهم هو ما سيحدث بعد القرار لعوائد السندات الأمريكية، بعدما اقترب عائد أجل 10 سنوات من مستوى 5%، وما إذا كانت هذه المستويات المرتفعة ستتحول إلى واقع أطول أم تبقى موجة مؤقتة.
قرار الفائدة لم يُحسم بعد
الأسواق باتت تسعّر احتمالا يقارب 70% لرفع الفيدرالي الفائدة بربع نقطة مئوية في اجتماعه يومي 15 و16 سبتمبر، بعدما أعادت بيانات أسعار المنتجين مخاوف التضخم إلى الواجهة.
ومع ذلك، لا يبدو القرار محسوما. فلا تزال هناك توقعات بالتثبيت، فيما تبقى بيانات أسعار المستهلك آخر الاختبارات المهمة قبل الاجتماع.
وتزداد الصورة تعقيدا لأن الفيدرالي يعرف أن قراءة التضخم نفسها قد تتغير بعد أقل من أسبوعين على الاجتماع. ففي 30 سبتمبر يحين موعد التحديث السنوي لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي "PCE"، أحد أهم مقاييس التضخم التي يتابعها البنك المركزي الأمريكي.
القراءات الأخيرة تأثرت بصورة لافتة ببعض مكونات الخدمات المالية، ومنها إدارة المحافظ والاستشارات الاستثمارية، وهي تحديدا من المكونات التي ستخضع لمنهجية احتساب جديدة وبأثر رجعي.
وتشير تقديرات إلى أن التعديل قد يخفض معدل التضخم السنوي ببضعة أعشار من النقطة المئوية.
وهذا يمنح الفيدرالي سببا إضافيا للانتظار إذا جاءت قراءة أسعار المستهلك أقل حدة من المخاوف. فبدلا من رفع الفائدة قبل أسابيع قليلة من ظهور صورة معدلة للتضخم، يمكنه التثبيت ومراقبة البيانات الجديدة قبل اتخاذ الخطوة التالية.
بين تشدد الخطاب ومرونة القرار
إلى جانب البيانات، يدخل العامل السياسي على خط القرار بقوة. فالرئيس دونالد ترمب لا يخفي رغبته في سياسة نقدية أكثر تيسيرا، بينما ظل كيفين وارش يقدم خطابا متشددا، يؤكد فيه أن معركة التضخم لم تنتهِ وأن إعادته إلى مستوى 2% تظل أولوية.
لكن المفارقة تظهر عند الانتقال من الخطاب إلى التصويت، ففي الاجتماع الأخير لم يدفع باتجاه رفع الفائدة.
وهنا تتسع مساحة الشك بين ما يقال وما يُفعل. فوارش يقدم للأسواق خطابا يطمئنها إلى استمرار الالتزام بكبح التضخم، لكن سلوكه التصويتي جاء أقرب إلى المسار الذي يفضله ترمب.
ولا يكفي ذلك للجزم بأن السياسة النقدية خضعت للضغط السياسي، لكنه يفتح الباب أمام احتمال مهم، أن يكون تشدد الخطاب أشد من تشدد القرار الفعلي.
ولهذا قد تأتي مفاجأة الاجتماع المقبل من الاتجاه المعاكس لما تسعّره الأسواق. فبينما ترتفع احتمالات زيادة الفائدة، قد يختار البنك المركزي الأمريكي التثبيت، مفضلا انتظار بيانات أكثر وضوحا قبل إطلاق جولة جديدة من التشديد.
لكن بالنسبة إلى الأسهم السعودية، لا ينتهي الأمر عند قرار الفيدرالي نفسه.
عندما تقترب السندات من الأسهم
وإذا ارتفع العائد الخالي من المخاطر من دون أن يقابله تحسن في توقعات الأرباح أو النمو أو التوزيعات، تصبح النتيجة الحسابية مباشرة، تنخفض القيمة العادلة للأسهم.
ولهذا لا ينبغي النظر إلى مستوى 5% في عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات باعتباره مجرد رقم نفسي. الأهم هو ما إذا كان العائد سيقترب منه ثم يتراجع، أم سيستقر فوق هذه المنطقة.
السيناريو الثاني يعني أن المستثمر قد يكون أمام بيئة جديدة من معدلات الخصم المرتفعة، وهي بيئة تحتاج الأسهم السعودية إلى التكيف معها إما عبر أسعار أقل، أو أرباح أعلى، أو نمو أقوى يعوض ارتفاع تكلفة رأس المال.
أسبوعان من التراجع وصورة داخلية أضعف
سجلت الأسهم السعودية هذا الأسبوع ثاني خسارة أسبوعية على التوالي، في أطول سلسلة تراجع أسبوعية منذ يوليو. صحيح أن مؤشر السوق الرئيسي "تاسي" فقد نحو 0.2% فقط، لكن هذا الرقم لا يروي القصة كاملة.
داخل السوق كانت الصورة أضعف بكثير
فمن بين 253 شركة جرى تداول أسهمها خلال الأسبوع، تراجعت 178 شركة، مقابل ارتفاع 71 واستقرار البقية. أي أن نحو 70% من الشركات أنهت الأسبوع على انخفاض.
وأغلق "تاسي" عند 11,007 نقاط، محتفظا بصعوبة بمستوى 11 ألف نقطة، بعدما ساعد تماسك عدد من الشركات الكبرى على الحد من خسائر المؤشر.
وفي الوقت نفسه، بلغت قيمة التداول الأسبوعية 17.6 مليار ريال. وبعد تحييد جلسة تنفيذ مراجعة مؤشرات "إم إس سي آي"، ظل متوسط التداول اليومي في الأسبوع الجاري أقل بنحو 16% من متوسط بقية جلسات الأسبوع السابق.
وهذا تحديدا ما يجعل قراءة السوق من الداخل أكثر أهمية من متابعة الرقم النهائي للمؤشر وحده.
حين يتراجع المؤشر بنحو 0.2% وتنخفض غالبية الشركات، فإن التراجع الظاهر يبدو أقل حدة من الضغط الحقيقي الذي تواجهه المحافظ. ويزداد ذلك وضوحا مع ضعف قيم التداول ومحدودية المشاركة في الارتفاع.
الهبوط لم يصنع هامش أمان جديدا
الأهم أن انخفاض الأسعار خلال الأسبوع لم ينتج عنه تحسن واضح في التقييمات.
فالأسعار انخفضت، لكن توقعات الأرباح تحركت في الاتجاه نفسه تقريباً، ولذلك لم يتسع هامش الأمان بالقدر الذي قد يتوقعه المستثمر عادة بعد موجة هبوط.
وهنا تعود السوق إلى النقطة التي بدأت منها، توازن قائم، لكنه هش.
فالمستويات الحالية لا تبدو مرتفعة بما يكفي لتبرير قراءة سلبية حادة، ولا منخفضة بما يكفي لتقديم خصم مريح أمام المستثمر. وبين هذين الحدين، يصبح اتجاه تكلفة رأس المال هو العامل الأكثر حساسية.
ولهذا قد يكون اجتماع الفيدرالي المقبل مهما للأسهم السعودية ليس بسبب ربع نقطة مئوية صعودا أو تثبيتا في الفائدة، بل لأنه قد يحدد ما إذا كانت عوائد السندات المرتفعة ستبدأ في الانحسار، أم تتحول إلى معيار جديد يفرض على الأسهم إعادة تسعير هذا التوازن من جديد.
وحدة التحليل المالي




