يبدو أن دورة رفع الاحتياطي للفائدة تستعيد وهجها مجددا، حيث بدأ القلق يتزايد في "وول ستريت"، مع تجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل، وصعود عوائد السندات بقوة، واستمرار طفرة الإنفاق الرأسمالي في قطاع الذكاء الاصطناعي في زيادة الضغوط على أسواق الائتمان.
كما جاءت بيانات أسعار المنتجين في التقرير الصادر يوم الخميس أعلى من المتوقع، وهي بيانات تدخل في احتساب مقياس التضخم الذي يعتمد عليه الاحتياطي الفيدرالي، بحسب مجلة "فورتشن".
لكن غموض رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش بشأن الخطوة المقبلة للبنك المركزي جعل بيانات التضخم النهائية، التي صدرت الجمعة قبل اجتماع الأسبوع المقبل، تحظى بأهمية استثنائية. وقد تولى كريستوفر والر، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي المعروف بصراحته، توضيح الصورة للمتداولين، مشيراً إلى أن "تسارعاً طفيفاً في التضخم" قد يكون كافياً لدفعه نحو تأييد رفع أسعار الفائدة.
تجاوز مؤشر أسعار المستهلكين تلك العتبة المنخفضة؛ إذ ارتفع المؤشر الأساسي 0.3% في أغسطس، متجاوزاً التوقعات التي كانت تشير إلى 0.2%، كما صعد المؤشر العام لأسعار المستهلكين 0.4%، مع صعود أسعار البنزين 3.9%.
85 % احتمالات لرفع الفائدة
وترجح الأسواق الآن بنسبة تقارب 85% أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة ربع نقطة مئوية هذا الأسبوع، مقارنة بنحو 70% قبل صدور البيانات. ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 أعوام مقتربًا من مستوى 5%، الذي يُعد عتبة ذات أهمية نفسية للمستثمرين. ولم تتأثر الأسهم سلبا بالبيانات، إذ سجلت المؤشرات الثلاثة الرئيسية ارتفاعات قوية.
أما بالنسبة إلى الأسر والمستهلكين، فقد جاء التقرير ليؤكد مجدداً الضغوط التي هيمنت على النصف الأول من العام، حيث تباطأ نمو الأجور للشهر الخامس على التوالي. كما سجل مؤشر ثقة المستهلك صباح الجمعة مستوى يقترب مجددا من أدنى مستوياته التاريخية.
قال جريجوري داكو، كبير الاقتصاديين في شركة EY-Parthenon، على منصة إكس: "لم نشهد مثل هذا النوع من الضغوط على الدخل منذ 2012".
ونظرا للتأثير الكبير لمؤشر أسعار المستهلكين، تزداد أهمية التدقيق في تفاصيل البيانات، إذ يمكن لفروق طفيفة لا تتجاوز أجزاء من مئة من النقطة المئوية أن تصبح ذات أهمية بالغة.
خدمات الهاتف تربك قراءة التضخم
ومن بين هذه التفاصيل الهامشية، ما حدث في قطاع خدمات الهاتف اللاسلكي؛ إذ قفزت الأسعار 5.9% في أغسطس، في أكبر زيادة تسجلها هذه الفئة على الإطلاق وفق مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
ساهمت خدمات الهاتف المحمول وحدها بمقدار 0.077 نقطة مئوية في الزيادة الإجمالية لمؤشر أسعار المستهلك، وهو ما يعادل ثلث المساهمة الإجمالية لمؤشر أسعار المستهلك الأساسي البالغة 0.230 نقطة. وباستثناء هذه الفئة، كانت نسبة التضخم الأساسي ستبلغ نحو 0.2% بدلاً من 0.3%.
ورغم أن شركة أبل كشفت للتو عن هاتف قابل للطي بسعر يقارب ألفي دولار، فإن الهواتف الذكية نفسها لم تكن السبب وراء هذا الارتفاع. انخفضت أسعار الهواتف الذكية 1.7% في أغسطس و12.2% مقارنة بالعام السابق، في حين تراجعت فئة أجهزة الهاتف الأوسع نطاقاً 2.4% خلال الشهر.
النفط يضيف ضغوطا جديدة
لكن هذا لا يعني أن تفاصيل تقرير التضخم كانت مطمئنة؛ فأسعار الطاقة ترتفع بشكل حاد، وقد ينعكس الارتفاع الأخير في أسعار النفط على كل شيء، من تذاكر الطيران إلى السلع الاستهلاكية (مثل البلاستيك) - خلال الأشهر المقبلة.
لكن القلق الأكبر لدى المستثمرين يتمثل في أن مفاجأة التضخم هذه تتزامن مع موجة بيع في سوق السندات، ما يزيد من تشدد الأوضاع المالية.
قال آدم تورنكويست، كبير إستراتيجيي التحليل الفني في شركة LPL Financial، إن أسعار الفائدة شهدت أخيرا ارتفاعات سريعة بدلا من صعودها تدريجيا في الآونة الأخيرة. وأضاف أن تجاوز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 أعوام مستوى 5% سيعيد مستويات 2006-2007، التي راوحت بين 5.25% و5.35%، إلى الواجهة بوصفها مرجعا للمقارنة.
من جهته، قال كريس زاكاريلي، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة Northlight Asset Management: "مع ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك الأساسي 0.3%، يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه الآن في موقف حرج".
يبقى السؤال: هل يمكن لموجة صعود الأسهم المدفوعة بالذكاء الاصطناعي أن تواصل تجاهل وصول سعر النفط إلى 100 دولار، وارتفاع العائد على السندات لأجل 10 أعوام إلى نحو 5%، وموقف الاحتياطي الفيدرالي الذي يبدو فجأة مستعدا لاستئناف رفع أسعار الفائدة؟
وكما قال زاكاريلي: "الأسواق الصاعدة لا تموت بسبب التقدم في العمر، بل يقتلها الاحتياطي الفيدرالي".

