يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة إعادة تشكيل عميقة، عنوانها الأبرز "عصر الموارد"، حيث لم تعد وفرة رأس المال المحرك الأساسي للنمو، بل أصبحت المواد الأولية والمعادن الاستراتيجية في صدارة محددات القوة الاقتصادية والتنافس الدولي، وفق تقرير صادر عن وحدة إدارة الأصول التابعة لـ"جولدمان ساكس".
بحسب التقرير، يواجه العالم اختلالاً متزايداً بين الطلب المرتفع على السلع الأساسية، مدفوعاً بالتحول الطاقي وتسارع توسع الذكاء الاصطناعي، وبين عرض مقيد هيكلياً، ما يفتح الباب أمام إعادة تسعير واسعة للموارد الطبيعية وتقلبات مستمرة في الأسواق.
في قلب هذا التحول، تبرز المعادن الحيوية مثل النحاس والليثيوم والنيكل والعناصر النادرة باعتبارها "الطبقة الصلبة" للاقتصاد الجديد، نظراً لدورها المباشر في البنية التحتية لمراكز البيانات، وشبكات الكهرباء، والصناعات الدفاعية.
يتوقع التقرير ارتفاعاً حاداً في الطلب، مع تضاعف استهلاك الكهرباء المرتبط بمراكز البيانات بحلول 2030، وقفزة في الطلب على الليثيوم بنحو 5 أضعاف بحلول 2040، مقابل عجز محتمل في سوق النحاس قد يصل إلى 30% بحلول 2035.
سلاسل التوريد في قلب التنافس الجيوسياسي
لم يعد التنافس العالمي يقتصر على الموارد الخام، بل انتقل إلى التحكم في سلاسل التوريد ومعالجة المعادن الاستراتيجية، حيث تهيمن الصين على الحصة الأكبر من قدرات التكرير عالمياً، ما يمنحها نفوذاً محورياً في الاقتصاد الصناعي العالمي.
في المقابل، تتحرك أمريكا وأوروبا لإعادة بناء سلاسل إمداد بديلة عبر سياسات إعادة التصنيع، وتوسيع الشراكات الدولية، وتقليص الاعتماد على الصين، في وقت تواجه فيه أوروبا واليابان هشاشة أكبر بفعل ارتفاع الاعتماد على الواردات الطاقية والمعدنية.
على المدى القصير، يحذر التقرير من أن أي اضطراب في تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز قد ينعكس بسرعة على الأسواق العالمية، عبر موجة ارتفاعات في الأسعار وضغوط تضخمية قد تعيد رسم توقعات السياسات النقدية.
يطرح التقرير 3 مسارات محتملة للاقتصاد العالمي، حيث يتمثل السيناريو الأساسي في نمو مرن مع تضخم أكثر صلابة من المتوقع، والثاني من خلال ركود تضخمي ناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة مع تباطؤ النمو، ثم مسار ثالث يتجلى في الركود العالمي نتيجة صدمة طاقية تقود إلى تراجع اقتصادي واسع.
التحول الطاقي .. استثمار مشروط بالمعادن
رغم الضغوط يؤكد التقرير أن التحول نحو الطاقة النظيفة يمثل أحد أكبر محركات الاستثمار عالميا مع بلوغ الاستثمارات 2.3 تريليون دولار في 2025، مدفوعة بتوسع شبكات الكهرباء والطاقة المتجددة والبنية التحتية المرتبطة بها.
لكن هذا التحول يواجه تحدياً بنيوياً يتمثل في محدودية المعادن الأساسية، ما يجعل إعادة التدوير وسلاسل الإمداد الثانوية جزءاً أساسياً من معادلة تلبية الطلب المستقبلي، وفقاً لجولدمان ساكس.
يخلص التقرير إلى أن فرص الاستثمار لم تعد محصورة في المواد الخام، بل تمتد عبر سلسلة القيمة كاملة، من التعدين والمعالجة إلى البنية التحتية والتكنولوجيا، بما يشمل: قطاع المعادن والطاقة، والصناعات الدفاعية، والبنية التحتية للطاقة والذكاء الاصطناعي.
بحسب جولدمان ساكس، ستكون الأسواق الخاصة محورا رئيسيا لتمويل دورة استثمارية ضخمة في البنية التحتية قد تتجاوز 100 تريليون دولار بحلول 2040، ما يعكس اتساع الفجوة التمويلية في الاقتصاد العالمي الجديد.




