لم يصمد ارتداد السوق السعودية طويلا. بعد جلسة واحدة فقط من الارتفاع، عاد "تاسي" اليوم للهبوط 0.9% إلى 10781 نقطة، مسجلا أدنى إغلاق منذ 2 أغسطس.
لكن الأهم من مقدار التراجع هو الطريقة التي حدث بها. فجلسة أمس كانت قد انتهت على ارتفاع محدود بنحو 0.1%، مدفوعة بدرجة كبيرة بصعود "الراجحي"، في وقت كانت فيه غالبية الأسهم تتراجع. لذلك لم يكن ذلك الصعود كافيا للقول إن السوق تجاوزت ضغوط إعادة التسعير.
واليوم ظهرت الصورة بشكل أوضح. تراجعت معظم الشركات مقابل ارتفاع 25 فقط، وانخفضت جميع قطاعات السوق. أي أن الضغط لم يعد محصورا في عدد محدود من الأسهم القيادية، بل امتد إلى معظم السوق.
حتى السيولة حملت إشارة مختلفة عن جلسة أمس. ارتفعت قيمة التداول إلى نحو 4.6 مليار ريال، من قرابة 4.2 مليار في الجلسة السابقة، كما تجاوز عدد الصفقات 453 ألف صفقة.
وهذا يعني أن هبوط اليوم جاء بنشاط أعلى. فالسوق لم تتراجع فقط بسبب غياب المشترين، بل إن جزءا أكبر من السيولة شارك فعليا في البيع. ومع ذلك، فإن تفسير الهبوط لا يبدأ من أرباح الشركات.
الأرباح مستقرة.. لكن العائد المطلوب يرتفع
رغم تراجع الأسعار، لم تتغير توقعات أرباح السوق بصورة تذكر بين أمس واليوم. أي أن السوق لا تهبط حتى الآن لأن المستثمرين يتوقعون تراجع أرباح الشركات.
المشكلة في مكان آخر. المستثمر أصبح يطلب سعرا أقل مقابل الأرباح نفسها. ويظهر السبب عند النظر إلى سوق العوائد.
ارتفع عائد الصكوك السعودية لأجل 10 سنوات من 5.72% إلى 5.84%، كما بلغ سايبور 3 أشهر نحو 4.9%.
هذه التحركات قد تبدو محدودة، لكنها مؤثرة في سوق تتحرك أصلا عند مستويات تقييم حساسة. فعندما يرتفع العائد الذي يمكن الحصول عليه من أدوات الدخل الثابت، تصبح الأسهم مطالبة بتقديم عائد أعلى حتى تحافظ على جاذبيتها.

إغلاق 15 سبتمبر 2026
ومع هبوط "تاسي" اليوم، انخفض مكرر الربحية المتوقع للسنة الحالية إلى نحو 14.3 مرة، من نحو 14.4 مرة أمس، وارتفع عائد الأرباح إلى نحو 6.89%.
على الورق، أصبحت الأسهم أرخص. لكن المشكلة أن عوائد الصكوك ارتفعت في الوقت نفسه. لذلك لم يتحسن الفارق بين عائد الأرباح وعائد الصكوك ، لينخفض من نحو 1.27 نقطة مئوية إلى نحو 1.15 نقطة.
أي أن السوق هبطت بنحو 0.9%، لكن جزءا من الأثر الإيجابي لهذا الهبوط على التقييمات ضاع بسبب ارتفاع العوائد. وهنا تكمن حساسية السوق حاليا.
انخفاض الأسعار وحده لا يكفي. فكلما ارتفعت تكلفة رأس المال، احتاجت الأسهم إلى مزيد من الهبوط أو مزيد من النمو في الأرباح حتى تبدو أكثر جاذبية.
هل يعود المشترون قرب 10.4 آلاف نقطة؟
بعد فقدان السوق منطقة 10900 نقطة، يصبح السؤال الطبيعي أين يمكن أن يظهر المشترون من جديد؟
مراجعة حركة "تاسي" منذ يونيو 2025 تظهر أن المنطقة الممتدة بين 10300 و10550 نقطة لعبت هذا الدور في أكثر من مناسبة.
ارتد المؤشر من محيطها في يونيو وسبتمبر 2025، ثم عاد إليها في يناير ومارس ويوليو من العام الجاري. لكن الملفت أن السوق لم تكن تصل في كل مرة إلى مكرر ربحية محدد قبل أن ترتد.
المقياس الذي ظهر بصورة أكثر انتظاما كان مكرر القيمة الدفترية، الذي اقترب في معظم تلك الفترات من 2.1 مرة. وهذا ما يجعل مستوى 10400 نقطة مهما في القراءة الحالية.
فإذا هبط المؤشر إلى هذا المستوى، من دون تغير في توقعات الأرباح، سينخفض مكرر الربحية المتوقع إلى قرابة 13.6 مرة، ويرتفع عائد التوزيعات المتوقع إلى نحو 4.24%، فيما يقترب مكرر القيمة الدفترية المستقبلية من مرتين. عندها تبدأ عدة مؤشرات تقييم بالتحسن في وقت واحد.
كما أن عائد توزيعات العام القادم قرب 4.2%، مع نمو مستدام يقدر بنحو 6.2%، يعطي عائدا ضمنيا قريبا من 10.4%. وهذا يقترب كثيرا من نطاق العائد المطلوب الذي نقدره حاليا للسوق بين 10.3 و10.5%.
لكن هذا لا يعني أن 10400 نقطة هدف مؤكد، ولا أن السوق ستتوقف عنده بالضرورة. المستوى يبقى مهما فقط إذا ظلت الأرباح مستقرة ولم تواصل عوائد الصكوك الصعود بقوة.
أما إذا بدأت توقعات الأرباح في التراجع، أو اقترب عائد الصكوك طويلة الأجل من 6%، فإن المستوى الذي يبدو جذابا اليوم قد لا يبقى جذابا غدا.
العوائد أصبحت مفتاح السوق
من هنا، لم يعد السؤال الأهم هو ما إذا كان "تاسي" سيخسر 100 نقطة إضافية أو يستعيدها في جلسة لاحقة. بل هل العائد الذي تقدمه الأسهم الآن كافٍ أمام البدائل المتاحة للمستثمر؟
أمس حاول السوق التماسك قرب 10900 نقطة، لكن ضيق الصعود كان إشارة مبكرة إلى أن المشترين لم يعودوا مقتنعين تماما بهذه المنطقة.
واليوم، مع تراجع جميع القطاعات واتساع الهبوط وارتفاع السيولة، أصبحت تلك الإشارة أكثر وضوحا. لذلك ستكون حركة العوائد بعد قرار الفيدرالي أكثر أهمية للسوق من القرار نفسه.
إذا تراجعت العوائد، فقد يستطيع "تاسي" تكوين قاع قبل الوصول إلى 10400 نقطة، لأن انخفاض تكلفة رأس المال سيجعل الأسعار الحالية أكثر قبولا.
أما إذا بقيت العوائد مرتفعة أو واصلت الصعود، فقد تستمر السوق في البحث عن مستوى أدنى يعيد التوازن بين المخاطرة والعائد.
حتى الآن، لا تقول الأرقام إن أرباح الشركات دخلت مرحلة تراجع واضحة. ما تقوله السوق ببساطة هو أن المستثمر لم يعد مستعدا لدفع السعر نفسه مقابل الأرباح نفسها.
ولهذا فإن التركيز خلال الفترة المقبلة حول المستوى الذي تصبح فيه الأسعار مغرية بما يكفي لعودة المشترين، وبالمعطيات الحالية، يبدو أن هذا المستوى أصبح أقرب إلى منطقة 10.4 آلاف نقطة منه إلى 10.9 آلاف.
وحدة التحليل المالي

