شهد العام 2025 سلسلة من الرهانات الجريئة والتحولات المفاجئة التي قلبت مسار الأسواق رأساً على عقب.
من مكاتب السندات في طوكيو، ولجان الائتمان في نيويورك، إلى متداولي العملات في إسطنبول، أغدقت الأسواق أرباحاً مفاجئة تارة، وصدمات مؤلمة تارة أخرى. فيما سجل الذهب مستويات قياسية، وتقلّبت أسهم شركات الرهن العقاري الضخمة الهادئة كما لو كانت أسهماً مضاربة. وانهار فجأة أحد النماذج الكلاسيكية لتجارة الفائدة في مشهد أربك الأسواق.
راهن المستثمرون بقوة على تحولات السياسة، والميزانيات العمومية المتضخمة، والروايات الهشة، مما غذّى موجات صعود حادة في الأسهم، وتداولات مزدحمة على العوائد، واستراتيجيات عملات مشفرة ممولة بالديون والأمل، ولا شيء أكثر من ذلك.
عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض هزّت الأسواق المالية حول العالم سريعاً، قبل أن تعود للانتعاش، وأشعلت موجة من الصعود في أسهم شركات الدفاع الأوروبية، وشجّعت المضاربين الذين غذّوا حالات هوس متتالية. بعض المراكز الاستثمارية حققت مكاسب مذهلة، بينما تعثرت رهانات أخرى مع تغيّر اتجاه الزخم وانحسار موجة الارتفاع، أو جفّت التمويلات، أو انعكست الرهانات الممولة بالديون في الاتجاه الخاطئ.
ومع نهاية العام، تسلط "بلومبرغ" الضوء على أبرز الرهانات اللافتة في 2025، من مكاسب وانهيارات ومراكز ميّزت هذه الفترة. وتترك كثير من تلك الرهانات المستثمرين في حالة قلق من خطوط صدع مألوفة للغاية بينما يستعدون لعام 2026: شركات هشة، وتقييمات مبالغ فيها، وصفقات قائمة على اللحاق بالاتجاهات الناجحة... إلى أن تتوقف عن النجاح.
العملات المشفرة: ترمب في الواجهة
بدا الأمر كأحد أكثر رهانات الزخم إغراءً في عالم العملات المشفرة: الاستثمار في كل ما يرتبط بعلامة ترمب التجارية. خلال حملته الرئاسية وبعد توليه المنصب، اندفع ترمب بقوة نحو الأصول الرقمية، حيث أطلق إصلاحات شاملة، وعيّن حلفاء من القطاع في مناصب مؤثرة داخل وكالات حكومية قوية. وشارك أفراد عائلته في هذا التوجه، مروّجين لعملات وشركات رقمية تعامل معها المتداولون كوقود سياسي للانطلاق.
سرعان ما تشكلت هذه المنظومة. قبل ساعات من حفل التنصيب، أطلق ترمب عملة ميم، وروّج لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ولحقت به السيدة الأولى ميلانيا ترمب بطرح عملتها الخاصة. وفي وقت لاحق من العام، أطلقت شركة "وورلد ليبرتي فاينانشال" (World Liberty Financial) المرتبطة بعائلة ترمب رمزها الرقمي (WLFI) للتداول وإتاحته للمستثمرين الأفراد. تبعت ذلك سلسلة من الصفقات المرتبطة بترمب، إذ شارك إريك ترمب في تأسيس شركة "أميركان بتكوين" (American Bitcoin)، وهي شركة تعدين مدرجة في البورصة عبر اندماج في سبتمبر.
أطلقت كل عملية طرح موجة صعود، لكنها لم تدم طويلاً. حتى 23 ديسمبر، كانت عملة ترمب تتراجع بنسبة تفوق 80% عن ذروتها في يناير، فيما فقدت عملة ميلانيا نحو 99% من قيمتها، بحسب بيانات "كوين غيكو" (CoinGecko). أما سهم "أميركان بتكوين" فقد هبط بنحو 80% من ذروته في سبتمبر.
دفعت السياسة هذه الصفقات إلى الارتفاع، لكن قوانين المضاربة أطاحت بها. حتى مع وجود رئيس مؤيد للعملات المشفرة في البيت الأبيض، لم تنجُ تلك الصفقات من النمط المتكرر في عالم الكريبتو، حيث ترتفع الأسعار وتتدفق الرهانات الممولة بالديون، ثم تجف السيولة.
ولا تزال "بتكوين"، وهي العملة المعيارية الأبرز، تتجه لتسجيل خسارة سنوية بعد تراجعها من ذروتها في أكتوبر. بالنسبة للأصول المرتبطة بترمب، بعدما وفرت السياسة زخماً، لكنها لم توفر حماية.
تجارة أسهم الذكاء الاصطناعي: الرهان الكبير التالي؟
كُشف عن الصفقة في إفصاح روتيني، إلا أن أثرها لم يكن روتينياً على الإطلاق. ففي 3 نوفمبر، أعلنت شركة "سيون أسيت مانجمنت" (Scion Asset Management) أنها تمتلك خيارات بيع وقائية على أسهم شركتي "إنفيديا" و"بالانتير تكنولوجيز" (Palantir Technologies Inc)، وهما من أبرز الأسهم في قلب موجة الذكاء الاصطناعي التي غذّت انتعاش السوق على مدى السنوات الثلاث الماضية.
وعلى الرغم من أن "سيون" ليست صندوق تحوّط ضخماً، فإنها تحظى باهتمام واسع بسبب الشخص الذي يديرها: مايكل بيري، الذي اكتسب شهرة بوصفه "نبيّ السوق" في كتاب وفيلم "The Big Short" اللذين تناولا فقاعة الرهن العقاري التي أدت إلى أزمة 2008.
كانت أسعار التنفيذ لافتة للنظر؛ إذ كان سعر خيار "إنفيديا" أدنى بـ47% من مستوى إغلاق السهم آنذاك، فيما كان سعر "بالانتير" أدنى بـ76%. لكن بعض الغموض ظل قائماً، إذ لم يكن واضحاً، بسبب متطلبات الإفصاح المحدودة، ما إذا كانت تلك الخيارات جزءاً من صفقة أكثر تعقيداً. وقد وفّر الإفصاح لمحة فقط عن دفاتر "سيون" في 30 سبتمبر، مما أبقى احتمالاً قائماً بأن بيري قلّص أو أغلق مراكزه لاحقاً. ومع تزايد الشكوك حول التقييمات المبالغ فيها وخطط الإنفاق الضخمة لكبرى شركات الذكاء الاصطناعي، جاء إفصاح بيري كشرارة أشعلت هذا الحطب الخامد.
تراجعت أسهم "إنفيديا"، أكبر شركة في العالم من حيث القيمة السوقية، إثر ذلك، وكذلك "بالانتير"، قبل أن تستعيدا بعض الزخم لاحقاً. كما انخفض مؤشر "ناسداك" هو الآخر.
من غير الممكن معرفة مقدار الربح الذي حققه بيري على وجه الدقة. إلا أن تلميحاً وحيداً تركه كان منشوراً على منصة "إكس" ، قال فيه إنه دفع 1.84 دولار لخيار "بالانتير"، وهو خيار ارتفعت قيمته لاحقاً بنسبة وصلت إلى 101% في أقل من ثلاثة أسابيع.
رسّخ الإفصاح شكوكاً كانت تغلي تحت سطح سوق يهيمن عليها عدد محدود من أسهم الذكاء الاصطناعي، وأموال متدفقة خاملة ضخمة، وتقلبات محدودة. وسواء أثبتت الصفقة صوابها أو كانت متعجلة، فقد أكدت مدى سرعة تغيّر الروايات المهيمنة في الأسواق بمجرد أن تتزعزع الثقة بها.
أسهم الدفاع: النظام العالمي الجديد
أدى تحول جيوسياسي واسع إلى تحقيق مكاسب هائلة في قطاع كان يُنظر إليه سابقاً على أنه سامٌّ من قِبل مديري الأصول، وهو: قطاع الدفاع الأوروبي. إذ دفعت خطط ترمب للتراجع عن تمويل الجيش الأوكراني الحكومات الأوروبية إلى سباق إنفاق عسكري، ما أعطى دفعة هائلة لأسهم شركات الدفاع في القارة، من ارتفاع سهم "راينميتال" (Rheinmetall AG) الألمانية بنحو 150% منذ بداية العام حتى 23 ديسمبر، إلى قفزة تتجاوز 90% في سهم "ليوناردو" (Leonardo SpA) الإيطالية خلال الفترة نفسها.
مديرو الأصول الذين كانوا يتجنبون القطاع بسبب الجدل المرتبط بالبيئة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة، غيّروا مواقفهم، بل إن عدداً من الصناديق أعاد تعريف تفويضاته.
قال بيير ألكسيس دومون، الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة "سيكومور أسيت مانجمنت" (Sycomore Asset Management): "كنا قد استبعدنا قطاع الدفاع من صناديقنا المعنية بالحوكمة البيئية والاجتماعية حتى بداية هذا العام، لكن حدث تغيّر في النموذج الفكري، وعندما يتغير النموذج، يجب أن نكون مسؤولين أيضاً وندافع عن قيمنا. لذلك نركّز الآن على الأسلحة الدفاعية".
من مصنّعي العدسات الواقية إلى شركات الكيماويات وحتى شركات الطباعة، جرى اقتناء الأسهم في اندفاع محموم. فقد ارتفع مؤشر "بلومبرغ" لأسهم الدفاع الأوروبية بأكثر من 70% منذ بداية العام حتى 23 ديسمبر. وامتدّ هذا الازدهار إلى أسواق الائتمان أيضاً، حيث جذبت الشركات ذات الصلة غير المباشرة بالدفاع عمالقة المقرضين المحتملين. كما بدأت المصارف ببيع "سندات الدفاع الأوروبية" على غرار السندات الخضراء، لكنها مخصّصة هذه المرة للمقترضين من مصنّعي الأسلحة.
جسّد ذلك إعادة تسعير لقطاع الدفاع باعتباره منفعة عامة بدلاً من عبء سمعة، وتذكيراً بأن التحولات الجيوسياسية تدفع رؤوس الأموال إلى التحرك أسرع بكثير من الأيديولوجيا.
الرهان على تدهور العملة: حقيقة أم خيال؟
دفعت أعباء الديون الثقيلة في الاقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا واليابان، إلى جانب غياب الإرادة السياسية لمعالجتها بعض المستثمرين في عام 2025 إلى الترويج للذهب والأصول البديلة مثل العملات المشفرة، فيما تراجع الحماس تجاه السندات الحكومية والدولار الأميركي. اكتسبت الفكرة زخماً تحت تسمية سلبية: "تجارة التدهور النقدي"، في إشارة إلى فترات تاريخية عندما لجأ حكّام مثل نيرون إلى تقليص قيمة النقود لمواجهة الضغوط المالية.
بلغ هذا السرد ذروته في أكتوبر، حين تزامنت المخاوف بشأن الأوضاع المالية الأميركية مع أطول إغلاق حكومي في التاريخ، فبحث المستثمرون عن ملاذات خارج الدولار. وفي ذلك الشهر، ارتفع كل من الذهب و"بتكوين" إلى مستويات قياسية، في لحظة نادرة لأصلين غالباً ما يُنظر إليهما كمنافسين.
لكن بوصفها صفقة، كانت القصة أكثر تعقيداً. فقد تراجعت "بتكوين" لاحقاً وسط موجة هبوط أوسع للعملات المشفرة، واستقر الدولار نسبياً، بينما تتجه سندات الخزانة لتحقيق أفضل عام لها منذ 2020، وهو بمثابة تذكير بأن المخاوف من تآكل المالية العامة يمكن أن تتعايش مع طلب قوي على الأصول الآمنة، خصوصاً عندما يتباطأ النمو وتبلغ أسعار الفائدة ذروتها.
في أماكن أخرى، روت تحركات الأسعار قصة مختلفة. فالتقلبات في معادن مثل النحاس والألمنيوم وحتى الفضة كانت مدفوعة بقدر مماثل بسياسات ترمب الجمركية والعوامل الكلية، ما جعل الخط الفاصل بين التحوط من التضخم والصدمات التقليدية في العرض أكثر ضبابية. أما الذهب فواصل الصعود محققاً مستويات قياسية جديدة. في هذا الركن من السوق، استمرت "تجارة التدهور النقدي"، لا كتقييم شامل للعملات الورقية، بل كرهان مركز على أسعار الفائدة والسياسات والحماية.
الأسهم الكورية: حان دور الدراما الكورية
عندما يتعلق الأمر بالتحولات الدرامية والإثارة، يصعب مجاراة ما شهدته سوق الأسهم في كوريا الجنوبية هذا العام. بدعم من جهود الرئيس لي جاي ميونغ لتعزيز أسواق رأس المال في البلاد، قفز المؤشر القياسي للأسهم بأكثر من 70% في عام 2025 حتى 22 ديسمبر، متجهاً نحو هدفه الطموح عند مستوى 5000، ومتصدّراً بسهولة أداء المؤشرات الرئيسية حول العالم.
من النادر أن يحدد زعيم سياسي أمام الرأي العام مستوى لمؤشر الأسهم كهدف، كما أن حملة لي المعروفة باسم "كوسبي "5000" لم تحظَ باهتمام يُذكر عند الإعلان عنها لأول مرة.
أما الآن، فيرى عدد متزايد من بنوك "وول ستريت"، من بينها "جيه بي مورغان تشيس" و"سيتي غروب"، أن هذا الهدف قابل للتحقق في عام 2026، مدعوماً جزئياً بازدهار الذكاء الاصطناعي عالمياً، الذي عزز الطلب على الأسهم الكورية باعتبارها الوجهة الاستثمارية المفضلة في آسيا لرهانات الذكاء الاصطناعي.
لكن ثمة غياب لافت للمستثمرين الأفراد المحليين عن هذا الصعود العالمي لمؤشر كوسبي.
فرغم أن لي يذكّر الناخبين كثيراً بأنه كان مستثمراً فردياً قبل دخوله الحياة السياسية، فإن أجندته الإصلاحية لم تُقنع بعد المستثمرين المحليين بأن السوق تمثل فرصة استثمارية طويلة الأجل تقوم على الشراء والاحتفاظ بها.
وفي الوقت الذي تدفقت فيه الأموال الأجنبية إلى الأسهم الكورية، كان المستثمرون الأفراد المحليون بائعين صافين، محوّلين رقماً قياسياً بلغ 33 مليار دولار إلى الأسهم الأميركية، وساعين وراء رهانات أعلى مخاطرة، تتراوح بين العملات المشفرة وصناديق المؤشرات المتداولة ذات الرافعة المالية في الخارج. وكان من الآثار الجانبية لذلك تعرض الوون الكوري لضغوط.
فمع تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج، تراجعت العملة، ما يذكّرنا بأن حتى الارتفاعات القوية في أسواق الأسهم قد تخفي شكوكاً مستمرة على الصعيد المحلي.
المواجهة بشأن بيتكوين : تشانوس ضد سايلور
لكل موقف أو حدث تفسيران أو رأيان مختلفان. في حالة صفقة المراجحة التي نفذها بائع المراكز المكشوفة جيم تشانوس والمتعلقة بشركة "ستراتيجي" (Strategy) التابعة لمايكل سايلور، المعروف بتكديس بتكوين، كان هناك أيضاً شخصيتان بارزتان، فيما تحولت الصفقة سريعاً إلى استفتاء على طبيعة رأسمالية عصر العملات المشفرة.
في أوائل عام 2025، ومع صعود بتكوين بقوة وارتفاع سهم "ستراتيجي" بشكل حاد، رأى تشانوس فرصة سانحة.
أدى ارتفاع سهم "ستراتيجي" إلى تضخّم الفارق بين سعر السهم وقيمة حيازات الشركة من بتكوين، وهو ما اعتبره المستثمر المخضرم وضعاً غير مستدام.
وعليه قرر تشانوس بيع سهم "ستراتيجي" على المكشوف وشراء "بتكوين"، وأعلن عن هذه الخطوة في مايو، عندما كان الفارق بين سعر السهم وقيمة حيازات الشركة من بتكوين لا يزال واسعاً. وبدأ تشانوس وسايلور تبادل الانتقادات الحادة على الملأ.
قال سايلور خلال مقابلة مع تلفزيون "بلومبرغ" في يونيو عن تشانوس: "لا أعتقد أنه يفهم طريقة عمل شركتنا"، وردّ عليه تشانوس واصفاً تفسيرات سايلور بأنها "لا تتوافق مع أي قواعد مالية أو تحليلات منطقية" في منشور على منصة "إكس".
سجلت أسهم "ستراتيجي" مستوى قياسياً في يوليو، محققة مكاسب بلغت 57% منذ بداية العام، لكن مع ازدياد عدد ما يُعرف الشركات التي تدير الأصول الرقمية وتراجع أسعار العملات المشفرة عن قممها، بدأت أسهم "ستراتيجي"، وكذلك أسهم الشركات الأخرى التي حاولت تقليد الاستراتيجية أو العمل بنفس الطريقة في السوق، تتراجع، وتقلص الفارق بين سعر السهم وقيمة حيازات الشركة من بتكوين. وبدأ رهان تشانوس يؤتي ثماره.
منذ إعلان تشانوس عن بيع أسهم "ستراتيجي" على المكشوف وحتى 7 نوفمبر، وهو التاريخ الذي قال إنه أنهى استراتيجيته في الصفقة المالية، هبطت أسهم الشركة بنسبة 42%.
وبعيداً عن الأرباح والخسائر، جسدت هذه الحالة نمطاً متكرراً في دورات الازدهار والانهيار في عالم العملات المشفرة، حيث تتضخم الميزانيات بفعل الثقة وتستمر الثقة بدورها مدفوعة بارتفاع الأسعار والاستراتيجيات المالية. ويظل هذا النموذج قائماً إلى أن تتزعزع القناعة، وعندها يتوقف الفارق السعري عن كونه ميزة، ليصبح هو المشكلة نفسها.
السندات اليابانية: من كابوس المستثمرين إلى مصدر الأرباح
إذا كان هناك رهان واحد ألحق خسائر متكررة بمستثمرين يركزون على الصورة الاقتصادية الكبرى على مدى العقود الماضية، فهو الرهان سيئ السمعة المعروف باسم "كابوس المستثمرين" ضد السندات اليابانية. كان المستثمرون يرون سبب الرهان واضحاً وسهل الفهم دائماً.
اليابان مثقلة بدين عام هائل، وبالتالي كان الاعتقاد السائد أن أسعار الفائدة لا بد أن ترتفع عاجلاً أم آجلاً لجذب عدد كافٍ من المشترين. وعليه، كان المستثمرون يقترضون السندات ويبيعونها على المكشوف، متوقعين أن تنخفض الأسعار عندما تتضح الحقائق.
لكن على مدى سنوات، تبيّن أن هذا المنطق سابق لأوانه ومكلف، إذ أبقت السياسات النقدية التيسيرية للبنك المركزي تكاليف الاقتراض منخفضة، و عاقبت أي مستثمر حاول التصرف بسرعة لتحقيق الربح قبل حدوث التغير المتوقع في السوق. ولم يعد الأمر كذلك الآن.
في عام 2025، تحوّل "كابوس المستثمرين" إلى "مصدر الأرباح" مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية القياسية على نطاق واسع، ما جعل سوق الدين اليابانية البالغة 7.4 تريليون دولار حلماً لبائعي المراكز المكشوفة. وتنوعت المحفزات بين رفع أسعار الفائدة وإقدام رئيسة الوزراء ساناي تاكايشي على إطلاق أكبر موجة إنفاق تشهدها البلاد منذ تخفيف قيود الجائحة.
قفزت عوائد السندات الحكومية اليابانية القياسية لأجل 10 سنوات متجاوزة مستوى 2%، لتصل إلى مستويات لم تُسجل منذ عقود، في حين ارتفعت عوائد السندات لأجل 30 عاماً بأكثر من نقطة مئوية كاملة لتبلغ أعلى مستوى على الإطلاق.
تراجع مؤشر "بلومبرغ" لعوائد السندات الحكومية اليابانية بأكثر من 6% هذا العام حتى 23 ديسمبر، ليكون أسوأ الأسواق الرئيسية أداءً على مستوى العالم.
ناقش مديرو صناديق من "شرودرز" (Schroders) إلى "جوبتر آسيت مانجمنت" (Jupiter Asset Management) وصولاً إلى "آر بي سي بلو باي آسيت مانجمنت" (BlueBay Asset Management)، خلال العام، بيع السندات الحكومية اليابانية بأشكال مختلفة، فيما يراهن المستثمرون والاستراتيجيون على أن هذا الاتجاه لا يزال أمامه مجال للاستمرار مع الارتفاع التدريجي في أسعار الفائدة الأساسية.
وفوق ذلك، يقوم بنك اليابان بتقليص مشترياته من السندات، ما يفرض ضغوطاً إضافية على العوائد. وبما أن اليابان تمتلك أعلى نسبة دين حكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي بين الدول المتقدمة بفارق واضح، يُتوقَّع أن تستمر النظرة المتشائمة تجاه السندات الحكومية اليابانية.
فرص صغيرة في سوق الائتمان: الصرامة تحقق الأرباح
لم تتحقق بعض أكبر العوائد في سوق الائتمان لعام 2025 من رهانات على تعافي الشركات أو الأصول، بل جاءت من مواجهة المستثمرين الآخرين بشكل مباشر لتحقيق مكاسب.
الأسلوب، المعروف باسم "الصراع بين الدائنين"، حقق مكاسب كبيرة لصناديق مثل "باسيفيك إنفستمنت مانجمنت"(بيمكو) و"كينغ ستريت كابيتال مانجمنت" (King Street Capital Management)، الذين نفذوا حملة مدروسة حول شركة "إنفيجن هيلثكير" (Envision Healthcare) المدعومة من "كيه كيه آر" (KKR).
عندما تعثرت "إنفيجن"، وهي شركة متخصصة في توفير الكوادر للمستشفيات، بعد جائحة كوفيد-19، احتاجت إلى قرض من مستثمرين جدد. غير أن إصدار ديون جديدة كان يعني رهن أصول سبق الالتزام بها بالفعل.
في حين شكّل العديد من حاملي الديون تكتلاً لمعارضة التمويل الجديد، لم تتبع "بيمكو" و"كينغ ستريت" و" بارتنرز غروب" ( Partners Group)، التكتل وقررت دعم التمويل الجديد.
وأتاح دعمهم إجراء تصويت للسماح بفك رهن الضمانات (وهي حصة في شركة "أمسيرغ"، الذراع القيّمة لشركة "إنفيجن" المتخصصة في جراحات اليوم الواحد) من قبل المقرضين القدامى، واستخدامها لتأمين التمويل الجديد.
أصبحت الصناديق حاملة لديون مدعومة بأصول "أمسيرغ"، وتحولت لاحقاً إلى حصص ملكية في الشركة.
في وقت لاحق من هذا العام، تم بيع شركة "أمسيرغ" إلى "أسينشن هيلث" (Ascension Health) مقابل 4 مليارات دولار.
حققت الصناديق التي لم تتبع نظراءها عوائد تقارب 90%، وفق أحد المؤشرات، ما يوضح العائد الكبير من خوض مثل هذه الصراعات الداخلية بين الدائنين.
الخلاصة أن التعاون في أسواق الائتمان اليوم، التي تحكمها وثائق قانونية مرنة ومجموعات دائنين مجزأة، أصبح خياراً لا التزاماً.
الصواب وحده لا يكفي، بل يحتاج المستثمر أيضاً إلى اتخاذ خطوات عملية وحماية مصالحه. أما الخطر الأكبر فهو أن يتجاوزك الآخرون أو يستغلوا موقفك لمصلحتهم.
فاني وفريدي: عودة "التوأمين السامّين"
لطالما كانت "فاني ماي" و"فريدي ماك"، عملاقتا تمويل الرهون العقارية الخاضعتان لسيطرة واشنطن منذ الأزمة المالية، محور تكهنات طويلة حول موعد وكيفية تحريرهما من قبضة الحكومة.
وقام داعمون مثل مدير صناديق التحوط "بيل أكمان" بتجميع أسهم الشركتين أملاً في تحقيق مكاسب ضخمة من أي خطة خصخصة، غير أن الأسهم ظلت راكدة لسنوات في سوق التداول خارج البورصة مع استمرار الوضع القائم.
ثم جاءت إعادة انتخاب دونالد ترمب، التي دفعت الأسهم إلى حالة من الحماس الشبيه بظاهرة بأسهم الميم، مدفوعة بتفاؤل بأن الإدارة الجديدة ستتخذ خطوات لتحرير الشركتين أو إعادة إدماجهما في السوق بحرية أكبر.
في عام 2025، تصاعدت الإثارة أكثر، إذ قفزت الأسهم بنسبة 367% منذ بداية العام حتى ذروتها في سبتمبر -وبنسبة 388% خلال التداولات اليومية- ولا تزال من أكبر الرابحين خلال عام 2025.
وكان ما دفع الزخم إلى ذروته هذا العام هو الأنباء التي ترددت في أغسطس عن أن الإدارة تدرس طرحاً عاماً أولياً قد يقيّم الشركتين بنحو 500 مليار دولار أو أكثر، من خلال بيع ما بين 5% و15% من أسهمهما لجمع نحو 30 مليار دولار.
ورغم تذبذب الأسهم بعيداً عن ذروتها المسجلة في سبتمبر، وسط شكوك حول توقيت الطرح العام الأولي وإمكانية تنفيذه أصلاً، لا يزال كثيرون واثقين من جدوى الاستثمار في الشركتين.
كشف أكمان في نوفمبر عن مقترح قدمه إلى البيت الأبيض، يدعو إلى إعادة إدراج "فاني" و"فريدي" في بورصة نيويورك، وخفض القيمة الدفترية لحصة الحكومة من الأسهم الممتازة ذات الأولوية، وتفعيل خيار الحكومة للاستحواذ على نحو 80% من الأسهم العادية.
حتى مايكل بيري انضم إلى الحراك، معلناً اتخاذه موقفاً متفائلاً في أوائل ديسمبر، وعبر عن أفكاره وتأملاته حول الموضوع في تدوينة طويلة من 6 آلاف كلمة على الإنترنت، أن الشركتين اللتين احتاجتا سابقاً إلى إنقاذ حكومي من الإفلاس قد لا تكونان "التوأم السامّ" بعد الآن.
تجارة الفائدة في تركيا: انتهت بشكل مفاجئ وخاسر
كانت تجارة الفائدة في تركيا الخيار المفضل الذي يحظى بالإجماع لدى مستثمري الأسواق الناشئة بعد عام 2024 المتميز.
مع تجاوز عوائد السندات المحلية 40% ودعم البنك المركزي لاستقرار ربط العملة بالدولار، اندفع المتداولون إلى تجارة الفائدة، مستفيدين من الاقتراض بتكلفة منخفضة في الخارج لشراء أصول تركية عالية العائد.
جذبت تجارة الفائدة مليارات الدولارات من مؤسسات مثل "دويتشه بنك" و"ميليينيوم بارتنرز" (Millennium Partners) و"غرامرسي" (Gramercy)، وكان بعضها متواجداً في تركيا في 19 مارس، اليوم الذي انهارت فيه الصفقات خلال دقائق.
في صباح ذلك اليوم، داهمت الشرطة التركية منزل رئيس بلدية إسطنبول المعارض ذي الشعبية الواسعة واعتقلته، أكرم إمام أوغلو ما أشعل احتجاجات وأدى إلى موجة بيع هستيرية لليرة لم يتمكن البنك المركزي من احتوائها.
قال كيت جاكس، رئيس استراتيجية العملات الأجنبية لدى "سوسيتيه جنرال" في باريس، في ذلك الوقت: "تفاجأ الناس بشدة، ولن يعودوا إلى تجارة الفائدة بسرعة".
بحلول نهاية ذلك اليوم، قُدّرت التدفقات الخارجة من الأصول المقوّمة بالليرة التركية بنحو 10 مليارات دولار، ولم تستعد السوق عافيتها فعلياً بعد ذلك.
كما في 23 ديسمبر، كانت الليرة أضعف بنحو 17% مقابل الدولار منذ بداية العام، لتكون من بين أسوأ العملات أداءً في العالم.
وقد شكّلت هذه الواقعة تذكيراً بأن أسعار الفائدة المرتفعة قد تكافئ محبي المخاطرة، لكنها لا توفر أي حماية من الصدمات السياسية المفاجئة.
أسواق الدين: تحذير من المخاطر الخفية
لم تشهد أسواق الائتمان في عام 2025 اضطراباً نتيجة انهيارٍ واحدٍ مدوٍّ، بل نتيجة سلسلة من الانهيارات الأصغر التي كشفت ممارسات غير مريحة لدى المشاركين في السوق.
الشركات التي كان يُعتقد أنها آمنة ومستقرة عند الاقتراض واجهت صعوبات مالية، مما تسبب في خسائر كبيرة للمؤسسات التي قدمت لها القروض.
أعادت "ساكس جلوبال" (Saks Global) هيكلة سندات بقيمة 2.2 مليار دولار بعد سداد دفعة واحدة من الفوائد، وتُباع السندات المعاد هيكلتها الآن بأقل من 60% من قيمتها الاسمية في السوق.
فقدت السندات التي أُعيد إصدارها حديثاً لشركة "نيو فورترس إنرجي" (New Fortress Energy) أكثر من نصف قيمتها خلال عام واحد.
أدى إفلاس شركتي "ترايكولور" (Tricolor) ثم "فيرست براندز" (First Brands) إلى محو مليارات الدولارات من حيازات الديون خلال أسابيع قليلة. في بعض الحالات، كان الاحتيال المتقن سبباً جوهرياً وراء الانهيار. وفي حالات أخرى، لم تتحقق التوقعات الوردية.
وفي جميع الحالات، وجد المستثمرون أنفسهم مضطرين لتبرير كيفية إقدامهم على رهانات ائتمانية كبيرة على شركات تفتقر إلى أدلة كافية أو أي أدلة أصلاً بشأن قدرتها على سداد ديونها.
على مدى سنوات، أدى انخفاض حالات التعثر وتوفر السيولة الرخيصة إلى تراجع المعايير، بدءاً من حماية المقرضين ووصولاً إلى أسس منح الائتمان نفسها.
أخفق المقرضون لكلٍّ من "فيرست براندز" و"ترايكولور" في اكتشاف أن المقترضين كانوا، بحسب المزاعم، يرهنون الأصول نفسها أكثر من مرة ويخلطون بين الضمانات التي تدعم عدة قروض.

