ضخت قوارب الصيد السعودية نحو 97.6 ألف طن من الأسماك والكائنات البحرية إلى الأسواق المحلية خلال 2025، بزيادة 14.4% مقارنة بنحو 85.3 ألف طن في 2024.
وتتفاوت إنتاجية الأسماك بين الخليج العربي والبحر الأحمر، إذ استحوذ الخليج على نحو 61.4 ألف طن، أو ما يقارب 63% من إجمالي الإنتاج، رغم أن عدد القوارب العاملة فيه لا يتجاوز نحو ألفي قارب.
وبحسب بيانات رسمية حصلت عليها "الاقتصادية"، يأتي ذلك مقابل نحو 9 آلاف قارب صيد في البحر الأحمر، أنتجت نحو 36.2 ألف طن، ما يكشف فارقاً كبيراً في إنتاجية القارب بين المنطقتين، ويبرز دور طبيعة البيئة البحرية والمخزون السمكي ومناطق الحضانة الساحلية في تحديد كفاءة المصائد، إلى جانب اختلاف أنواع القوارب ومواسم الصيد.
الخليج يتصدر الإنتاج
وتبرز البيانات تفاوتاً واضحاً في القدرة الإنتاجية بين المنطقتين البحريتين، إذ وفر الخليج العربي نحو ثلثي الإنتاج المحلي من الأسماك والكائنات البحرية، بينما جاءت الحصة المتبقية من البحر الأحمر، في انعكاس لاختلاف الخصائص البيئية للمسطحين المائيين وتنوع المخزون السمكي، إلى جانب اختلاف طبيعة القوارب ومناطق الصيد.
ورغم محدودية عدد القوارب العاملة في الخليج العربي مقارنة بالبحر الأحمر، فإن إنتاجه بلغ أكثر من 61.4 ألف طن، بما يعادل نحو 63% من إجمالي الإنتاج، مقابل 36.2 ألف طن للبحر الأحمر، وهو ما يعكس ارتفاع الكفاءة الإنتاجية لمصائد الخليج، مدفوعة بوفرة المخزون السمكي والخصائص البيئية التي تساعد على تكاثر كثير من الأنواع البحرية ذات القيمة الاقتصادية.
ويبدأ الصيادون رحلاتهم مع ساعات الفجر الأولى، فيما تمتد بعض الرحلات لعدة أيام بحسب الموسم ونوع المصيد، قبل أن تعود القوارب إلى المرافئ محملة بكميات متفاوتة من الأسماك والكائنات البحرية التي تغذي الأسواق المحلية بصورة يومية.

9 آلاف قارب غرباً
أظهرت البيانات أن البحر الأحمر يستحوذ على النصيب الأكبر من أسطول الصيد في السعودية، إذ يعمل فيه نحو 9 آلاف قارب، مقابل نحو ألفي قارب في الخليج العربي، إلا أن هذه الأفضلية العددية لم تنعكس على حجم الإنتاج، حيث واصل الخليج العربي تسجيل أعلى إنتاجية خلال العام الماضي.
وتصدرت منطقة جازان مناطق السعودية من حيث عدد قوارب الصيد، بنحو 4 آلاف قارب، مستفيدة من امتداد سواحلها وتاريخها الطويل في النشاط البحري، تلتها منطقة مكة المكرمة بنحو 2.6 ألف قارب، ثم المنطقة الشرقية التي تضم أكثر من 2.1 ألف قارب، فيما بلغ عدد القوارب في المدينة المنورة 909 قوارب، وفي تبوك 631 قارباً، بينما سجلت منطقة عسير 577 قارباً.
الروبيان في الصدارة
وتصدر الروبيان قائمة الإنتاج في الخليج العربي خلال 2025 بكمية بلغت نحو 16 ألف طن، ليواصل مكانته كأحد أهم المنتجات البحرية ذات القيمة الاقتصادية في السعودية، تلاه السرطان البحري بنحو 8 آلاف طن، ثم الشعوم البحرية بنحو 5 آلاف طن، فيما بلغت كمية أسماك البياض نحو 4 آلاف طن.
وتشكل هذه الأنواع جانباً رئيسياً من المعروض في أسواق الأسماك بالمنطقة الشرقية وبقية مناطق السعودية، في حين يتميز البحر الأحمر بتنوع واسع في الثروة السمكية، حيث تضم مياهه عدداً كبيراً من الأنواع التجارية.
ومن أبرز الأنواع في البحر الأحمر الهامور، والبياض «الشدبة»، والعقام، والشعوم البحرية، والشعور، والدراك، والباغة، والنهاش، والتونة، والأسماك الجارحة، وسمك وحيد القرن، والحريد، وهو تنوع يعكس الثراء البيئي الذي تتمتع به السواحل الغربية للسعودية.
تكاليف التشغيل تضغط
ولا تقتصر رحلة الصيد على الإبحار وجمع الأسماك، بل تبدأ قبل ذلك بساعات من خلال تجهيز القارب بكميات الوقود والزيوت والثلج ومياه الشرب والمؤن الغذائية، إضافة إلى أدوات ومعدات الصيد، لتأمين احتياجات الطاقم طوال فترة الرحلة.
وتعد تكلفة التشغيل أحد أهم العوامل المؤثرة في ربحية نشاط الصيد البحري، إذ ترتبط بصورة مباشرة بأسعار الوقود والزيوت وقطع الغيار ومستلزمات الصيد، إلى جانب تكاليف حفظ الأسماك ونقلها، فضلاً عن الرسوم التنظيمية، ما يجعل القطاع أكثر حساسية تجاه أي زيادة في النفقات التشغيلية أو توقف الرحلات نتيجة الأحوال الجوية.
ويرى مختصان في قطاع الأسماك أن المستثمرين والعاملين في القطاع يواجهون عدة تحديات، في مقدمتها ارتفاع تكاليف التشغيل، ونقص العمالة الماهرة، وتأثر رحلات الصيد بالتغيرات المناخية، وهي عوامل تؤثر في العائد المادي للقوارب والصيادين في ظل ارتفاع الطلب المحلي على الأسماك والكائنات البحرية.
القوارب الصغيرة الأكثر انتشاراً
وأوضح جعفر الصفواني، الرئيس السابق للجنة الزراعية في غرفة الشرقية، أن تكلفة تجهيز مركب الصيد بالمعدات والأدوات الأساسية تتراوح بين 25 ألفاً و35 ألف ريال، مبيناً أن التكلفة تختلف بحسب حجم القارب ونوع التجهيزات المستخدمة وطبيعة النشاط.
وقال إن أطوال مراكب الصيد الصغيرة تتراوح عادة بين 14 و32 قدماً، وهي الأكثر انتشاراً بين الصيادين، مشيراً إلى أن إنتاجيتها تختلف من رحلة إلى أخرى تبعاً للموسم والظروف البحرية ومناطق الصيد.
وتحقق هذه القوارب في الرحلة الواحدة ما بين 3 و5 ثلاجات من الأسماك والكائنات البحرية كحد أدنى، وقد يصل إنتاجها إلى نحو 20 ثلاجة في الرحلات الجيدة، علماً بأن سعة الثلاجة الواحدة تبلغ نحو 32 كيلوغراماً.
وأضاف الصفواني أن مياه الخليج العربي تشتهر بإنتاج عدد من الأنواع البحرية ذات القيمة الاقتصادية، من أبرزها الهامور والكنعد والأسماك الساحلية المعروفة بأسماك البياض، التي تشكل جانباً مهماً من المعروض في أسواق الأسماك بالمنطقة الشرقية.
الطقس يوقف الرحلات
وأشار الصفواني إلى أن الظروف الجوية تعد من أكبر التحديات التي تواجه قطاع الصيد البحري، إذ قد تحول شدة الرياح وارتفاع الأمواج دون خروج القوارب الصغيرة إلى البحر لفترات تتراوح بين 90 و150 يوماً سنوياً، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاج وتوقف مصادر دخل الصيادين خلال تلك الفترات، في مقابل استمرار كثير من الالتزامات التشغيلية.
وعن أسباب تفوق الخليج العربي في حجم الإنتاج مقارنة بالبحر الأحمر، أوضح أن ذلك يعود إلى طبيعة البيئة البحرية في الخليج، التي تتميز بانتشار الحشائش البحرية، وهي بيئات تمثل مناطق حضانة طبيعية للأسماك، وتوفر لها الغذاء والحماية خلال مراحل نموها الأولى حتى تصل إلى أحجام مناسبة.
وأضاف أن السواحل الضحلة في الخليج العربي تؤدي دوراً محورياً في تعزيز تكاثر الأسماك، إذ تبقى الأسماك الصغيرة بعيدة نسبياً عن المناطق العميقة التي تنتشر فيها الأسماك المفترسة، ما يزيد فرص بقائها ونموها ويعزز حجم المخزون السمكي بصورة مستمرة.
وقال الصفواني إن المناطق الساحلية تمثل «حضانة طبيعية» للمخزون السمكي، وهو ما يفسر ارتفاع إنتاجية الخليج العربي مقارنة بالبحر الأحمر، رغم أن عدد القوارب العاملة فيه أقل بكثير، مشيراً إلى أن نحو 80% من دورة حياة كثير من الأنواع السمكية ترتبط بالمناطق الساحلية الضحلة التي تشكل البيئة الأساسية لنموها وتكاثرها، قبل انتقالها إلى المياه الأعمق.

رحلة بـ 1800 ريال
بدوره، أشار يوسف حسين العالي، أحد الصيادين في المنطقة الشرقية، إلى أن متوسط تكلفة تشغيل رحلة الصيد الواحدة للقوارب الصغيرة يتراوح بين 1500 و1800 ريال، وقد تزيد هذه التكلفة بحسب الوجهة التي يقصدها القارب، وتشمل الوقود والثلج والزيوت وقطع الغيار ومختلف المستلزمات التشغيلية.
أما القوارب الكبيرة «اللنجات»، فتبلغ تكلفة تجهيزها للرحلة الواحدة في المتوسط بين 7 آلاف و8 آلاف ريال، دون احتساب مصاريف الصيادين.
وأضاف أن الصياد يبدأ رحلته بتجهيز القارب بكامل احتياجاته التشغيلية من الوقود والزيوت ومياه الشرب والمؤن الغذائية والثلج وأدوات الصيد، قبل الإبحار إلى مواقع الصيد، لافتاً إلى أن هذه المصروفات تُدفع مقدماً بغض النظر عن حجم المصيد الذي سيعود به القارب، ما يجعل نشاط الصيد عرضة لتقلبات الإنتاج والظروف البحرية.
وأوضح أن رحلات الصيد تختلف من حيث مدتها وفقاً لنوع المصيد ومواسم الصيد ومناطق وجود الأسماك، فقد تنتهي بعض الرحلات خلال يوم واحد، بينما تمتد رحلات أخرى لعدة أيام، وهو ما يرفع الإنفاق على الوقود والمؤن والثلج اللازم لحفظ الأسماك حتى عودة القوارب إلى الموانئ.
نقص العمالة يفاقم التحديات
وأشار العالي إلى أن قطاع الصيد البحري يواجه تحديات متزايدة تضغط على الجدوى الاقتصادية للمهنة، يأتي في مقدمتها نقص العمالة الماهرة، ولا سيما العمالة الهندية التي تمتلك خبرة طويلة في أعمال الصيد البحري وتتحمل طبيعة العمل الشاقة، وتمثل نحو 40% من العمالة المسموح للصياد باستقدامها، مبيناً أن صعوبة توفير هذه العمالة انعكست بصورة مباشرة على كفاءة تشغيل عدد من القوارب.
وأضاف أن القطاع يواجه كذلك ارتفاعاً مستمراً في التكاليف التشغيلية، تشمل أسعار الوقود والزيوت وقطع الغيار ومستلزمات الصيد وحفظ الأسماك، إلى جانب الرسوم المرتبطة بتصاريح الإبحار وكشوفات المراكب ورسوم تجديد تراخيص القوارب، التي أصبحت تُجدد سنوياً بعد أن كانت كل 3 سنوات، فضلاً عن المخالفات والغرامات التي تفرض على بعض القوارب وفق اشتراطات الجهات المختصة.
وأكد أن الأحوال الجوية تمثل أحد أكبر المخاطر التي تواجه الصيادين، إذ قد تؤدي الرياح القوية وارتفاع الأمواج إلى توقف رحلات الصيد لمدة تصل إلى 10 أيام أو أكثر خلال الشهر، ما يعني توقف الإيرادات بالكامل في الوقت الذي تستمر فيه الالتزامات المالية والتشغيلية، سواء المتعلقة بأجور العمال أو صيانة القوارب أو الرسوم الحكومية، وينعكس بصورة مباشرة على دخل الصيادين وربحية النشاط.
وتكشف هذه المعطيات أن تحدي قطاع الصيد لا يرتبط بعدد القوارب وحده، بقدر ما يرتبط بإنتاجية القارب وكفاءة المصيد وتكاليف التشغيل والقدرة على الاستمرار في الرحلات، وهو ما يفسر تفوق الخليج العربي إنتاجياً رغم امتلاكه جزءاً محدوداً من أسطول الصيد السعودي.


