السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

وصف الرحالة الشهير ابن بطوطة في كتابه "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجاب الأسفار" موانئ اليمن وقواربها الصغيرة بأنها عصب الملاحة الدولية في القرن الرابع عشر وكانت سببًا رئيسيًا في ازدهار الدولة الرسولية التي كانت تحكم البلاد آنذاك، فمن خلال تلك المراكب البسيطة التي كانت تنطلق من عدن والشحر كان اليمنيون يصدرون أثمن سلع العصر مثل اللبان والمنسوجات التنافسية والخيول العربية إلى سواحل الهند وإفريقيا لتعود بعد ذلك محملة بالتوابل والأرز والعاج وأخشاب الساج الصلبة المقاومة للمياه، ما جعلها بمنزلة قطار التجارة الذي يربط اقتصاد الشرق بالغرب.

هذا الإرث البحري العريق الذي صنعه الأجداد بالمهارة والعمل تحول في العصر الحديث على يد ميليشيات الحوثي من شريان للحياة والتجارة إلى مسار للموت ومصدر للمقذوفات والصواريخ والدمار بعد أن عمدت الجماعة الإرهابية إلى تجريد المراكب التقليدية من هويتها المسالمة واستخدامها في تهريب شحنات الأسلحة ومكونات المسيرات وهو ما دفع قيادة القوات المشتركة للتحالف إلى إطلاق تحذيرها الصارم منذ ساعات لقطع الطريق أمام هذا الاستغلال، حيث أكد التحالف في بيانه أن تحويل هذه الوسائط البحرية التقليدية إلى أدوات تهريب لا يهدد الأمن الإقليمي والملاحة الدولية فحسب بل يضع حياة الصيادين وملاك القوارب البسطاء في مواجهة مباشرة مع الأخطار العملياتية والمساءلة القانونية، محذرًا إياهم من الانصياع لإملاءات الميليشيات حفاظًا على أرواحهم وممتلكاتهم.

Muslim pilgrims perform the farewell circumambulation called Tawaf al-Wada, around the Kaaba, Islam's holiest site, at the Grand Mosque during the final rites of the annual Hajj pilgrimage in Mecca, Saudi Arabia, Friday, May 29, 2026. (AP Photo/Altaf Qadri)

Wed, 16 2026

اختيار الميليشيا الإرهابية هذه الأنواع من المراكب بالتحديد لم يكن عشوائيًا بل مقصودا، نظرًا لعدة أسباب أهمها أنها رخيصة الثمن مقارنة بغيرها من قنوات التهريب والدمار، إضافة إلى مواصفاتها الهندسية والبيئية وسهولة تصنيعها ما يمنحها مميزات أكبر، لكن يظل أهم الأسباب أن تلك المراكب المصنوعة من الخشب تتمتع ببصمة رادارية منخفضة وشبه شبحية وهو ما يجعل تعقبها من قبل الرادارات العسكرية الحديثة أو تمييزها عن قوارب الصيد العادية أمرًا صعبا.

استنادًا إلى هذه المزايا التكتيكية وزعت ميليشيات الحوثي الأدوار العسكرية على تلك المراكب، فجاء في المقدمة "السنبوك" وهو أكبر السفن الخشبية الشراعية تاريخيًا وأكثرها صلابة وقدرة على تحمل الملاحة في المياه العميقة لخليج عدن وبحر العرب، وقد استغلت الميليشيات الحوثية متانة هذا المركب وقدرته على قطع مسافات طويلة في عرض البحر لتحويله إلى ناقلة وسيطة تتسلم المكونات الإلكترونية الدقيقة وقطع المسيرات والوقود الصلب للصواريخ من نقاط الالتقاء في المياه الدولية ونقلها نحو مخازنهم.

Untitled design(16)

أما "الزعيمة" فتحتل المرتبة الثانية وهي سفينة نقل استراتيجية مخفية في عرضة البحر وتتميز بقوام خشبي كبير وعمق داخلي يطلق عليه الـ"خن" المصمم أساسًا لاستيعاب أطنان من البضائع، لكن الجماعة الإرهابية حولته إلى مخزن لتخزين الأسلحة الثقيلة ومكونات الصواريخ وتغطيتها بأدوات الصيد التقليدية، أما الجلبة فهي مركب متوسط الحجم ويتميز برشاقة الملاحة وسط الأمواج وينتشر بكثافة بين صيادي الساحل الغربي وتستخدمه العصابات الظلامية حاليا في عمليات الاختراق والتسلل الساحلي وتسلم شحنات الأسلحة ونقلها إلى الشواطئ  مستغلين قدرته على الاندماج بين أساطيل الصيد الحقيقية دون إثارة أي شبهات.

في المرتبة الأخيرة تأتي "الهوري" كأصغر هذه الوسائط حجمًا وأسرعها حركة، وقد وظفتها الميليشيات الحوثية في مسارين شديدي الخطورة، الأول هو التفريغ الخاطف والسريع للشحنات المهربة عبر الممرات المرجانية الضحلة التي يتعذر على السفن الكبيرة دخولها، والثاني هو تحويره وتفخيخه بالكامل بالمواد المتفجرة ليعمل كزورق مسير وانتحاري لضرب واستهداف السفن التجارية وناقلات النفط في ممرات الملاحة الدولية.

مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي الأمريكية كشفت مسارات الموت التي يستخدمها الحوثيون ويستغلون فيها الصيادين البسطاء، إذ يحدث هذا في نقاط التقاء بعيدًا عن السواحل اليمنية وتقوم سفن شحن تجارية كبرى بحمل الأسلحة والمعدات التكنولوجية الثقيلة قادمة من وجهات إقليمية، وعند وصولها إلى نقاط "ميتة راداريًا" في المياه الدولية لخليج عمان أو بحر العرب يأتي دور السنبوك والزعيمة اللذين يبحران في جنح الليل لتسلم تلك الحمولات العسكرية والتوجه بها صوب المياه الإقليمية.

المرحلة الثانية تبدأ بمجرد اقتراب سفن النقل الوسيطة من الساحل الغربي لليمن يبدأ دور "الجلبة" و"الهوري" في الاختراق الساحلي والتغريق، حيث تتوجه تلك القوارب نحو شواطئ مفتوحة وأخوار بحرية معزولة وجزر نائية مثل جزيرة كمران وضواحي الحديدة لتفريغ السلاح بسرعة خاطفة وسط الممرات المرجانية الضحلة ومن ثم نقلها إلى مخازن برية تحت الأرض.

Tue, 13 2026

رغم تلك الألاعيب الحوثية إلا أن قوات التحالف المشتركة نجحت عبر التنسيق الاستخباراتي والعملياتي في تفكيك هذه المسارات واعتراض عديد من شحنات الموت، ففي يوليو الماضي تمكنت قوات التحالف من اعتراض الداو البحري الشهير "الشروا" وكان يحمل على متنه 750 طنًا من الأسلحة والذخائر ومكونات المسيرات المستوردة، وفي أكتوبر الجاري بثت قيادة التحالف أكثر من مرة مقاطع مرئية لتتبع واستهداف زوارق ووسائط بحرية تابعة لشبكات الجريمة المنظمة الحوثية في ميناء الحديدة وإغراقها قبل وصول حمولاتها التدميرية إلى السواحل.

Untitled design(15)

هذه الوقائع أثبتت أن قوات التحالف قادرة على كشف ألاعيب الحوثيين والقضاء عليها كما أثبتت أن عدم الاندفاع نحو خيار الحسم العسكري المفرط لا ينبع من ضعف تكتيكي بقدر ما يعكس عقيدة إنسانية راسخة تضع حياة الناس البسطاء وحمايتهم فوق كل اعتبار، فالصياد اليمني الذي يخرج لكسب قوته يوميًا هو الضحية الأولى للميليشيا الإرهابية التي تستخدمه كدرع بشري، وهنا تجلت مرة أخرى سياسة المملكة تاريخيًا في حماية الإنسان وصيانة الأرواح وتقديم المبادرات الإنسانية على الخيارات المدمرة، ولهذا فالتحذير الأخير ليس مجرد بلاغ عسكري بقدر ما هو طوق نجاة مدفوع بالحرص على ألا تدفع المجتمعات الساحلية تكلفة حرب فرضتها عصابات ظلامية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية