قبل نحو 80 عاما، كان المشهد مختلفا على ساحل جدة. سفن ترسو أمام المدينة، وحجاج وتجار يعبرون بوابتها البحرية، فيما يقف «البنط» شاهدا على مدينة صنعت علاقتها بالعالم من البحر.
ومن هذا المكان تحديداً، شهد أهالي جدة في عام 1946 حدثاً بقي في ذاكرة المدينة، حين غادر الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، بحراً متوجهاً إلى مصر للقاء الملك فاروق، واحتشد الأهالي أمام «البنط» لوداعه، قبل أن يعودوا إلى المكان نفسه للاحتفال بعودته.
وبعد ثمانية عقود تقريباً، وفيما تحتفل السعودية بيومها الوطني، لا يزال «البنط» قائماً، لكن المنطقة التي تحيط به تكتب فصلاً جديداً من تاريخها؛ مبانٍ تراثية تستعيد الحياة، وآثار تخرج من باطن الأرض، وفنادق ومتاحف تفتح أبوابها، واستثمارات وأنشطة تجارية ووظائف جديدة تعيد الحركة إلى الحارات التي كانت يوماً بوابة الحجاج والتجار إلى المدينة.
حكاية جدة مع البحر أقدم من "البنط"
ورغم أن الحكاية بدأت من ميناء مكة، لكن حكاية جدة مع البحر أقدم بكثير من «البنط».
يروي الشريف عدنان الهاجري، المهتم بتاريخ جدة، أن إحدى أهم المحطات في تاريخ المدينة تعود إلى عهد الخليفة عثمان بن عفان، حين واجه ميناء الشعيبة، الذي كان يخدم مكة آنذاك، تحديات مرتبطة بالشعاب المرجانية وحركة السفن، ليقع الاختيار على جدة بديلاً عنه.
وقال الهاجري "إن عثمان بن عفان قدم إلى جدة وعاين موقعها، قبل اعتمادها ميناءً لمكة، لتبدأ من ذلك الحين مرحلة جعلت المدينة تستقبل الحجاج والتجار والوفود القادمة من أنحاء مختلفة من العالم".
ومع السفن لم تصل البضائع والبشر فقط، بل وصلت ثقافات متعددة تركت أثرها في المدينة.
وبحسب الهاجري، فإن هذا الانفتاح يفسر جانباً من التنوع الذي يظهر في بيوت جدة التاريخية وعناصرها المعمارية، إذ يمكن ملاحظة تأثيرات تتقاطع مع عمارة مناطق ارتبطت بجدة تاريخياً، من الهند واليمن إلى مصر وغيرها.
وهكذا لم يكن «البلد» مجرد محطة عبور؛ بل مكاناً تتلاقى فيه الثقافات قبل أن تتجه القوافل نحو مكة، وتعود منه السفن إلى العالم.
محطة مفصلية مع توحيد المملكة
مرت جدة بعد ذلك بمراحل ودول وعصور مختلفة، وتحصنت بالأسوار في مواجهة الأخطار الخارجية، قبل أن تدخل محطة مفصلية أخرى مع توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز.
ويصف الهاجري عهد الملك عبدالعزيز بأنه مرحلة انتقالية مهمة لجدة، شهدت مزيداً من التنظيم والتطوير وتحسين محيط المدينة، وتعزيز مكانتها كمركز رئيسي.
وكان «البنط» أحد شهود تلك الحقبة. فوسط سلسلة من أعمال التطوير، برزت ثلاثة مرافق رئيسية في ميناء جدة القديم: المرسى البحري المعروف بـ«الإسكلة»، والحجر الصحي «الكرنتينة»، و«جمرك الحجاج» داخل مبنى البنط.
ويتكون مبنى البنط من طابقين بمساحة إجمالية تتجاوز ألفي متر مربع، وشُيد بالحجر المنقبي، وظل محتفظاً بجزء كبير من عناصره المعمارية، شاهداً على زمن كانت فيه جدة البوابة البحرية للقادمين إلى مكة.
مغادرة السكان "البلد" مع التوسع العمراني
لكن المدينة التي كانت تنمو من البحر بدأت لاحقاً تنمو بعيداً عنه.
مع التوسع العمراني لجدة، انتقلت العائلات تدريجياً من المنطقة التاريخية إلى الأحياء الجديدة.
وبحسب الهاجري، مر «البلد» بعد ذلك بمرحلة ركود، وهُجرت بعض بيوته، وتحولت أجزاء من مبانيه إلى مخازن، فيما تدهورت مبانٍ أخرى وأصبحت المنطقة تفقد جانباً من حيويتها القديمة.
بعد أن كانت تستقبل العالم، بدأت بعض أزقتها تخلو من سكانها.
وبعد أن كانت البيوت تعج بالعائلات والتجار والقادمين من البحر، أغلقت أبواب بعضها، وباتت مبانٍ تاريخية تواجه خطر التدهور والانهيار.
إعادة إحياء جدة التاريخية كنقطة التحول
هنا يضع الهاجري مشروع ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان لإعادة إحياء جدة التاريخية باعتباره نقطة التحول الحديثة في قصة المنطقة.
ويقول الشريف عدنان الهاجري إن الأمير محمد بن سلمان «أنقذ جدة التاريخية» وأخرجها من مرحلة كانت فيها، بحسب وصفه، منطقة مهملة ومهدرة ومخيفة في أجزاء منها، ليعيد إليها الحياة ويجعلها اليوم من الوجهات التاريخية والسياحية التي يقصدها الزوار من داخل جدة وخارجها.
ويرى الهاجري أن ما حدث لم يكن مجرد ترميم مبانٍ، بل إعادة الروح إلى المكان ليحكي ويروي قصصه عبر التاريخ؛ فالبيوت التي كانت مهددة بالتدهور أصبحت شاهداً مفتوحاً أمام الزوار، والحارات التي خفتت حركتها عادت تمتلئ بالناس، فيما تحولت ذاكرة المدينة إلى جزء من تجربتها السياحية والثقافية الجديدة.
وكان ولي العهد قد أطلق في سبتمبر 2021 مشروع «إعادة إحياء جدة التاريخية»، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، بهدف تطوير المجال المعيشي في المنطقة والاستفادة من مقوماتها الثقافية والعمرانية والتاريخية وتحويلها إلى روافد اقتصادية.
من إنقاذ البيوت إلى عودة الملايين
بدأت نتائج التحول تظهر بالأرقام. فخلال 2024، استقطبت جدة التاريخية أكثر من 5.7 مليون زائر، بينهم 2.5 مليون زائر خلال رمضان، بالتزامن مع ترميم 27 مبنى تاريخياً وتأهيل 10 مبانٍ، ودعم وإنقاذ 39 مبنى آخر.
وفي العام نفسه، طُورت 90 ألف متر مربع من المساحات الخضراء، وافتتحت أول ثلاثة فنادق تراثية ضمن مشروع يستهدف ترميم وإعادة تأهيل 34 مبنى وتحويلها إلى فنادق تراثية.
وبذلك لم تعد عملية الحفاظ على المباني مرتبطة بإنقاذها من الانهيار فقط، وإنما بإعادتها إلى دورة الحياة واستخدامها مرة أخرى.
من إحياء المباني إلى اقتصاد المكان
وفي 2025، اتسعت عملية الإحياء من المباني إلى اقتصاد المكان.
اعتمدت جدة التاريخية أكثر من 120 فرصة استثمارية، وسجلت أكثر من 850 نشاطاً تجارياً جديداً، فيما أسهمت أعمال التطوير في استحداث أكثر من 10 آلاف وظيفة.
كما استمرت أعمال ترميم وتأهيل المباني والمواقع التاريخية، بالتوازي مع تحويل المنطقة إلى وجهة تستقطب النشاط التجاري والثقافي والسياحي.
وهنا تعود جدة بشكل مختلف إلى وظيفتها القديمة؛ فكما صنعت حركة الحجاج والتجار اقتصاد «البلد» عبر قرون، تصنع السياحة والثقافة والضيافة والاستثمار اليوم دورة اقتصادية جديدة داخل الحارات نفسها.
«البنط».. من جمرك الحجاج إلى متحف
ولعل «البنط» يلخص التحول كله في مبنى واحد. فالمكان الذي عبر من خلاله الحجاج والقادمون بحراً، فتح أبوابه في 2025 بوظيفة مختلفة، بعد تحويله إلى «متحف البحر الأحمر» وترميمه مع المحافظة على هويته المعمارية.
ويضم المتحف أكثر من 1000 قطعة أثرية وفنية، تقدم عبر سبعة محاور قصة البحر الأحمر وتاريخه ومجتمعاته الساحلية وبيئته وعلاقته بالثقافات التي عاشت حوله.
المبنى الذي كان جزءاً من حركة البحر أصبح اليوم مكاناً يروي قصة تلك الحركة.
تنقيب أثري يكشف طبقات من تاريخ جدة
لم تقتصر عملية الإحياء على ما يظهر فوق الأرض.
فأعمال التنقيب الأثري كشفت طبقات أخرى من تاريخ جدة. وفي مسجد عثمان بن عفان، ظهرت مكتشفات من بينها أخشاب سيلانية على ساريتي المحراب تعود إلى القرن الأول الهجري، إلى جانب جزء من وعاء خزفي يعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي.
وفي 2025، تواصلت أعمال التنقيب في مواقع أثرية متعددة، في وقت فتحت فيه مواقع تاريخية وأثرية أمام الزوار، لتتحول الاكتشافات من مواد مدفونة إلى شواهد تساعد على قراءة تاريخ المدينة وعلاقاتها التجارية والثقافية القديمة.
البحر يعود إلى «البلد» بتأهيل الواجهة البحرية
وفي 2026، تعود قصة جدة التاريخية إلى العنصر الذي بدأت منه: البحر.
تتواصل أعمال تأهيل الواجهة البحرية وإعادة ربط المنطقة بميناء البنط التاريخي، ضمن مشروع يشمل إعادة تشكيل نحو مليون متر مربع من بحيرة الأربعين، وإنشاء رصيف بحري بطول 972 متراً، وجدران بحرية ساندة بطول 490 متراً.
وكأن المدينة التي بدأت حكايتها ميناءً قبل قرون، ثم ابتعد عمرانها تدريجياً عن مركزها التاريخي، تستعيد اليوم الصلة بين «البلد» والبحر.
حكاية وطن في حارات مدينة تاريخية
في اليوم الوطني، لا تبدو جدة التاريخية مجرد مجموعة من البيوت القديمة التي نجت من الزمن؛ بل تختصر في حاراتها جانباً من رحلة السعودية نفسها.
من ميناء استقبل الحجاج والتجار والثقافات، إلى مدينة دخلت مرحلة جديدة مع الملك عبدالعزيز، ثم منطقة فقدت جانباً من حيويتها مع التوسع العمراني، وصولاً إلى مشروع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي أعاد إحياءها، لتستقبل الملايين وتفتح أبواب مبانيها من جديد.
وبين «البنط» الذي شهد وداع الملك عبدالعزيز في رحلته البحرية قبل ثمانية عقود، والمشروع الذي يعيد اليوم البحر إلى محيطه التاريخي، تمتد حكاية جدة بين التأسيس والإحياء.
تغيرت السفن، واتسعت المدينة، وتبدلت وظائف البيوت والأسواق، لكن «البلد» بقي في مكانه.
واليوم، عادت أبوابها لتفتح من جديد، لا لتروي تاريخ جدة وحدها، بل لتحكي جانباً من قصة وطن عبر البحر والإنسان والمكان.


