"كل الطرق تؤدي إلى روما"، مثل قديم يلخص فلسفة البنية التحتية في أوروبا، حيث صُممت الشبكات لربط القرى الصغيرة بالمراكز الكبرى عبر آلاف الكيلومترات من الطرق.
لكن عندما ننتقل إلى دول العالم العربي، تتغير المعادلة، فالتحدي لا يكمن في الانتشار الجغرافي، بل في إدارة منشآت ضخمة ومركزة داخل مدن يعيش فيها ملايين السكان، من مطارات عملاقة ومستشفيات كبرى إلى مجمعات حكومية وبنية تحتية عالية الحساسية.
هكذا شرح كلاوديو رولاندي، الأستاذ السابق في تصميم وإدارة المنشآت الصناعية في جامعة العلوم التطبيقية في جنوب سويسرا، ومستشار أول، لـ"الاقتصادية"، الفرق بين تحديات إدارة الأصول في أوروبا والدول العربية من بينها السعودية، وذلك خلال المؤتمر الدولي لإدارة الأصول والمرافق والصيانة في الرياض.
أوضح رولاندي أن الفرق في حجم وتعقيد الأصول وطريقة توزيعها، إضافة إلى التحديات التشغيلية المميزة لكل بيئة.
في أوروبا، غالبًا ما تكون المنشآت متوسطة الحجم وموزعة جغرافيا، حيث يواجه المسؤولون تحديات تتعلق بتقادم البنية التحتية وطول الشبكات والعوامل المناخية مثل الثلوج والفيضانات والزلازل.
أما في الدول العربية، فتتركز الأصول في منشآت ضخمة داخل المدن الكبرى، إلا أن تعقيد تشغيلها وكثافة استخدامها والظروف المناخية القاسية تجعل إدارتها أكثر تحديًا.
ومع هذا التعقيد، قال لـ"الاقتصادية" مستشار الابتكار في شركة TRIZ الإيطالية ومتخصص في الذكاء الاصطناعي، ماركو تاتي، "إن الحل يكمن في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، فبدلاً من الاكتفاء بإصلاح الأعطال عند وقوعها، تعمل هذه التقنيات على رصد حالة الأصول لحظيًا، وتحويل البيانات لتكون قابلة للتنفيذ، والتنبؤ بالأعطال قبل حدوثها".
وأضاف أن "دمج الذكاء الاصطناعي مع طرق الابتكار المنهجي يدعم دورة تحسين تشمل: الاكتشاف، التحليل، التنفيذ، والتعلم، ما يمكن المؤسسات من الانتقال من الصيانة التفاعلية إلى إدارة أصول تنبؤي، مع فوائد مستدامة على مستوى التكلفة والأداء".
في هذا الصدد، قال لـ"الاقتصادية" مهندس ذكاء اصطناعي في شركة Smart System وكيل IBM، عبدالرحمن مكي، إن نظام IBM Maximo يعتمد على الذكاء الاصطناعي لإدارة الأصول والمرافق والخدمات والصيانة، مبينا أن من أهم عملائهم في السعودية، مطار الرياض، الحرم المكي، والديوان الملكي، إضافة إلى جهات حكومية متعددة وشركات خاصة.
وأشار مكي إلى النتائج الملموسة التي تحققت بعد تطبيق النظام، حيث تمكنت الجهات من خفض التوقفات غير المخططة بنسبة 47%، كما ساعدت الاستراتيجيات الذكية على إطالة العمر الافتراضي للأصول بنسبة 17%، مع تقليل تكاليف الصيانة بنسبة 6.3%.
يتيح النظام التنبؤ بالأعطال، تحليل السبب الجذري لها، إدارة التعاقدات، وتنظيم العلاقة بين الجهة المالكة والمقاولين والموردين بكفاءة عالية.
وقال تاتي "عدة جهات صناعية كبرى في السعودية أظهرت أن تطبيق استراتيجيات صيانة منظمة يمكن أن يحقق خفضا ملموسا في التكاليف وإطالة العمر التشغيلي للأصول". وأوضح أن هذه التجارب تعتمد على التحول من الصيانة التقليدية إلى الصيانة المعتمدة على الحالة والتنبؤ.
وأوضح أن استخدام المستشعرات والتحليلات المتقدمة في قطاع الطاقة ساعد على اكتشاف التدهور مبكرًا وتقليل التوقفات غير المخطط لها، والرصد المنهجي لآليات التآكل في قطاع السكك الحديدية والنقل وتحسين التخطيط، ما أدى إلى رفع الجاهزية التشغيلية وإبطاء تدهور الأصول.
فإذا كانت أوروبا قد ربطت القرى بالمدن الكبرى، فإن السعودية اليوم تربط كل منشأة، من الحرم المكي إلى مطار الرياض، بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، لتصبح كل أصولها جزءًا من شبكة تشغيل متكاملة تحقق الكفاءة والاستدامة.

