دخل المغرب مرحلة سياسية جديدة مع تعيين الملك محمد السادس، الثلاثاء، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، لتصبح أول امرأة في تاريخ المغرب تتولى هذا المنصب، في خطوة تحمل بعداً تاريخياً، وتضع في الوقت نفسه أمام الحكومة الجديدة ملفات اقتصادية واجتماعية ملحّة.
وجاء التعيين بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية، بحصوله على 97 مقعداً من أصل 395، ما يفتح الطريق أمام المنصوري لبدء مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة.
وأعلنت وزارة القصور الملكية أن الملك محمد السادس استقبل المنصوري في القصر الملكي بالرباط، بصفتها منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وعيّنها، بموجب الفصل 47 من الدستور، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة.
سابقة تاريخية في رئاسة الحكومة
يمثل تعيين المنصوري محطة غير مسبوقة في تاريخ المغرب، إذ أصبحت أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة، بعد أن شغلت نساء مغربيات في السنوات الماضية مناصب وزارية ومواقع قيادية في مؤسسات الدولة.
وقالت المنصوري عقب استقبالها من الملك إن توليها المنصب يمثل «لحظة تاريخية»، معتبرة أن المسؤولية لا تمثل فخراً شخصياً لها فحسب، وإنما للمرأة المغربية بشكل عام.
ويأتي وصولها إلى رئاسة الحكومة بعد مسار سياسي وإداري طويل، جعلها واحدة من أبرز الوجوه النسائية في المشهد السياسي المغربي.
الاقتصاد في مقدمة الاختبار
تصل الحكومة الجديدة إلى السلطة في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها البطالة، وخصوصاً بين الشباب، وارتفاع حجم الانتظارات المرتبطة بفرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.
وخلال حملته الانتخابية، تعهد حزب الأصالة والمعاصرة بالعمل على تحقيق معدل نمو سنوي متوسط يبلغ نحو 5%، إلى جانب توفير ما لا يقل عن مليون فرصة عمل خلال الولاية الحكومية.
وتعني هذه التعهدات أن الملف الاقتصادي سيكون من أبرز الاختبارات أمام الحكومة الجديدة، خصوصاً في ظل الحاجة إلى تحويل معدلات النمو إلى فرص عمل ملموسة وتحسين القدرة الشرائية وتعزيز الاستثمار.
كما ستواجه الحكومة مهمة استكمال عدد من المشاريع الكبرى التي ترتبط بالبنية التحتية والاستثمار والاستعداد لاستضافة المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2030.
وتشير التقديرات الواردة في المعطيات الانتخابية إلى أن الاستعدادات المرتبطة بهذا الحدث تتطلب استثمارات ضخمة، ما يجعل إدارة الإنفاق العام وتمويل المشاريع وتعظيم العائد الاقتصادي منها من الملفات المهمة أمام الحكومة.
الشباب والوظائف .. أولوية اجتماعية واقتصادية
لا ينفصل الملف الاقتصادي عن التحدي الاجتماعي، إذ يمثل إدماج الشباب في سوق العمل أحد أبرز الملفات التي ستحدد قدرة الحكومة الجديدة على الاستجابة للتطلعات الشعبية.
وتعهدت المنصوري بأن تقدم حكومتها برنامجاً يتضمن حلولاً عملية وواقعية، مؤكدة أن المرحلة المقبلة ستكون مهمة في ظل ارتفاع انتظارات المواطنين، ولا سيما الشباب.
وبالتالي، سيكون خلق فرص العمل وتحسين البيئة الاقتصادية للشباب والاستثمار في القطاعات القادرة على استيعاب العمالة الجديدة في صدارة الملفات التي ستواجه الحكومة.
الاستثمار والمشروعات الكبرى
إلى جانب التشغيل، ستكون الحكومة مطالبة بإدارة مرحلة استثمارية واسعة، خصوصاً مع المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية والاستعداد لكأس العالم 2030.
ويمثل هذا النوع من المشروعات فرصة لرفع الاستثمارات وتحسين شبكات النقل والخدمات وتنشيط قطاعات السياحة والبناء والخدمات، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحدياً يتعلق بضمان الاستدامة المالية وتحقيق أثر اقتصادي يتجاوز فترة تنظيم البطولة.
ومن بين الملفات الاقتصادية الأخرى التي ستحتاج الحكومة إلى التعامل معها معالجة التفاوتات الاجتماعية والمجالية، بحيث لا تتركز ثمار النمو والاستثمار في المدن والمناطق الأكثر نشاطاً اقتصادياً فقط.
من هي فاطمة الزهراء المنصوري؟
فاطمة الزهراء المنصوري محامية وسياسية مغربية تبلغ 50 عاماً، وتولت قيادة حزب الأصالة والمعاصرة منذ 2024 ضمن قيادة جماعية للحزب.
وتملك المنصوري خبرة في العمل الحكومي والمحلي؛ فقد شغلت منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في الحكومة السابقة، كما ترأست منذ 2021 مجلس جماعة مراكش.
وفي الانتخابات التشريعية الأخيرة، فازت المنصوري بمقعد نيابي عن مدينة مراكش، مسقط رأسها السياسي، قبل أن تنتقل إلى رئاسة الحكومة.
وتمنحها خبرتها في ملفات الإسكان والتعمير وإدارة المدن خلفية مباشرة في عدد من القضايا الاقتصادية والتنموية التي ستكون حاضرة على أجندة الحكومة، ولا سيما الاستثمار الحضري والبنية التحتية والسكن والتنمية المجالية.
حكومة أمام مرحلة اختبار
يضع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري المغرب أمام سابقة تاريخية على مستوى تمثيل المرأة في أعلى منصب تنفيذي، لكنه يضعها في الوقت ذاته أمام اختبار اقتصادي واجتماعي واسع.
فالنجاح الحكومي خلال المرحلة المقبلة سيرتبط بمدى القدرة على تنفيذ التعهدات المتعلقة بالنمو والتشغيل، وتحويل الاستثمارات والمشروعات الكبرى إلى فرص اقتصادية، ومعالجة التفاوتات، والاستجابة لتطلعات الشباب.
وبينما يمثل وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة حدثاً تاريخياً بالنسبة للمرأة المغربية، فإن التحدي العملي أمامها يبدأ الآن: إدارة الاقتصاد، وخلق الوظائف، وتنفيذ المشروعات الكبرى، وتحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات ونتائج ملموسة.


