يرى المعماري البريطاني ديان سودجيك في كتابه "العمارة والسلطة" أن مباني الدول ليست مجرد تصميمات وأحجار، بل مرآة تعكس طبيعة النظام السياسي وقوته واستقراره وتحمل رسائله إلى المجتمع فشكل المدن وتنظيمها وحضور المساجد والقصور والأسوار كلها تعبيرات صامتة عن فلسفة الحكم ورؤية الدولة، تلك النظرية طبقها الإمام محمد بن سعود قبل نحو ثلاثة قرون حين اختار الدرعية لتكون عاصمة الدولة السعودية الأولى في 22 فبراير 1727.
الدرعية موطن الدولة
قبل تأسيس الدولة السعودية الأولى جسدت الدرعية نموذجًا مثاليًا لـ"الإمام" من عدة جوانب فموقعها الإستراتيجي على ضفاف وادي حنيفة وفر لها حماية طبيعية وتضاريس صعبة أمام الأعداء هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كانت محطة رئيسية على طرق التجارة القديمة وطرق الحج القادمة من شبه الجزيرة العربية والعراق ما أكسبها ثقلًا اقتصاديًا وتجاريًا أسهم في ازدهاره وفرة المياه والتربة الصالحة الزراعة، لكن ظل العنصر الأهم أنها الموطن الأصلي لأسرة آل سعود ولذلك حظى الإمام بالقاعدة الشعبية والشرعية منذ اللحظة الأولى.
يوضح "ابن بشر" في كتابه "عنوان المجد في تاريخ نجد" أن تلك العوامل المفترض أنها توفر مناخ آمن ومستقر لم تستغل جيدًا من قبل الأطراف الذين سيطروا على الدرعية آنذاك، فانتشرت الصراعات الداخلية بين السكان وغاب الأمن واستغل اللصوص الفرصة فكثرت السرقات وساد الفقر، وأمام مشاهد كتلك قرر الإمام محمد بن سعود انتشال مدينة أجداده من الظلام فشرع في تأسيس دولته مصحوبًا بدعم الاهالي الذين وجدوا فيه طوق نجاة للخروج من المستنقع الذين يعيشون فيه.

9999
مؤسسات الدولة ورؤيتها السياسية
سريعًا بدأ "الإمام" في توطيد أركان دولته بينما تولت مبانيه التي شيدها صياغة رؤيته السياسية وفلسفته في الحكم مثل أسوار الدرعية التي أمر ببنائها حتى وصل ارتفاعها آنذاك إلى نحو 6 امتار مزودة بتحصينات دفاعية لحماية المدينة، ويشير الدكتور عبد الله الصالح العثيمين إلى أن أسوار الدرعية حملت عدة رسائل أهمها تحذير الأعداء من أي محاولة غزو ومنح الأهالي شعورًا بالأمان غير أن الإشارة الأبرز هي اعتماد "الإمام" على المؤسسات في الدفاع عن دولته وليس على الأشخاص ومدى شجاعتهم كما كان سائدًا في هذا الحقبة.
بيت المال الذي أسسه الإمام محمد بن سعود بمجرد استقرار الأوضاع لم يكن هو الآخر مجرد مبنى معماري فقط بل تجسيد لفكرة الاعتماد على المؤسسات وصياغة لرؤية "الإمام" الاقتصادية والتي استبق فيها نظريات العصر الحالي، إذ اعتبر المبنى مؤسسة مركزية من خلالها يتم جمع الزكاة والضرائب وتوزيعها على المشروعات العامة والجيش ورعاية الفقراء والمحتاجين وأي موارد أخرى، ومنها يصرف رواتب المسئولين وتمويل احتياجات الدولة، وانعكست تلك السياسة على السكان الذين أسسوا بيوتًا غلبت عليها الزخارف والنقوش المترفة حتى تكلل كل هذا بتداولة العملة النقدية التي سميت "دولار ماريا تريزا" أو كما عرف في السعودية بـ"الريال الفرنسي" وقد استمر التعامل به حتى توحيد البلاد 1932.
الجامع الكبير في الطريف رمز لقوة الدولة
انطبقت القاعدة على الجامع الكبير في حي الطريف الذي أصبح بعد بنائه قلب الدولة السعودية الاولى وروحها كما يوضح الدكتور عبدالله الصالح العثيمين في كتابه "نشأة وتطور الدولة السعودية الأولى"، ففي باحة هذا المسجد الذي بني على الطراز النجدي التقليدي كان الإمام يلقي خطبه ويصدر توجيهاته السياسية وفيه يلتقي بالمظلومين ويتعرف على مشكلات المواطنين ما جعله أكثر من مكان ديني، فهو رمز صامت لقوة الدولة وشرعيتها الدينية والسياسية وهو أيضًا رسالة للخارج بأن الدولة تأسست على أسس متينة من الدين والتنظيم.
شكلت المباني الثلاث المبنية من الطين النجدي رفقة قصر سلوى رؤية الإمام وفلسفته السياسية التي ارتكزت على ثلاث محاور رئيسية هم الشرعية الدينية والسياسية والأمن والازدهار الاقتصادي، وفي ظل تلك المنظومة عاش أهالي الدرعية حياة مستقرة وآمنة مقارنة بما حولهم بينما كفلت المؤسسات الحديثة كبيت المال والجامع الكبير حياة مزدهرة، وقد وثق المؤرخون في مصادرهم هذا الاستقرار حتى بعد وفاة الإمام إذ تولى ابنه الإمام عبد العزيز بن محمد وأكمل سيرة والده بل واعتمد على المباني لتعكس رؤيته في الحكم مثل قصر سلوى الذي شيده وأصبح رمزًا للهيبة والسلطة كما أكد أن النظام السعودي يقوم على المؤسسات وليس على الأفراد فقط.
مع انتقال مركز الحكم إلى الرياض بعد استردادها عام 1902 بقيت الدرعية تمثل الجذور الأولى والموطن الأصلي الذي شهد على قيام الدولة السعودية، وتجلى ذلك بوضوح في عهد الملك عبد العزيز آل سعود الذي تفقد الدرعية أكثر من مرة ولعل الأشهر زيارته بعد توحيد البلاد مباشرة إذ وقف الملك المؤسس على أطلال حي الطريف وقصر سلوى وأصدر توجيهاته بالحفاظ على المعالم والاعتناء بها بوصفها مهد الدولة والجذور التاريخية للدولة الجديدة.

Capture
الدرعية تشكل رؤية الحكم السعودي
اليوم تعود مباني الدرعية لتؤدي الدور ذاته بروح جديدة في ظل رؤية 2030، إذ تحولت إلى وجهة ثقافية وسياحية عالمية باستثمارات تجاوزت 63 مليار دولار مع مستهدف استقبال نحو 27 مليون زائر سنويًا، وكما عكست عمارتها في الماضي أسس الدولة الأولى وفلسفة الحكم في عهد الأئمة أصبحت اليوم تعبيرًا عن رؤية ولي العهد للمستقبل وقد تجسد هذا المعنى أخيرا عندما استقبل الأمير محمد بن سلمان الأمير ويليام أمير ويلز واصطحبه في جولة داخل الدرعية خاصة حي الطريف المسجل على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وأمام قصر سلوى التقطت صورة تذكارية للأميرين في مشهد حمل رسالة واضحة مفادها أن "يوم بدينا" ليس مجرد شعار بل اختصار لقصة دولة تبني حاضرها وتستشرف مستقبلها من جذورٍ ضاربة في التاريخ.

