الجمعة, 16 أكتوبر 2026|4 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

في وقت تضيق فيه خيارات التحوط في الأسواق المالية العالمية، يوجه الأثرياء استثماراتهم نحو أصول استثنائية تحتفظ بقيمتها ضد ضغوط التضخم وتقلبات السوق.

ففي مسح حديث أجرته مؤسسة "بي إن واي ويلث" شمل صناع القرار الاستثماري في 290 مكتباً لإدارة الثروات العائلية - وهي شركات خاصة تدير ثروات عائلات تمتلك أصولاً قابلة للاستثمار لا تقل عن 250 مليون دولار، ويدير نصفها أكثر من مليار دولار من الأصول - تجلى تحول لافت في استراتيجيات النخبة المالية العالمية، فقد أصبح نحو ثلثي هذه المكاتب يحتفظان بأصول غير مرتبطة ببرامجها الاستثمارية التقليدية، وهي نسبة تعادل ضعف المسجلة في العام الماضي.

أفاد عدد أكبر من هذه المكاتب بتسارع وتيرة الاستثمار في الأصول الفاخرة، من الساعات والمجوهرات النفيسة والأعمال الفنية، وصولاً إلى حصص في الأندية الرياضية وحقوق الملكية الموسيقية. ويشير التقرير إلى أن هذا الزخم يعكس بالدرجة الأولى رغبة جامحة في التحوط ضد التضخم وتقلبات السياسة النقدية، وهما الخطران اللذان تصدرا هواجس المكاتب العائلية للسنوات الخمس المقبلة.

وكما نقلت مجلة "فورتشن"، كانت الفئات التي سجلت أعلى قفزة سنوية لم تكن تلك المدرة للدخل، مثل حقوق البث الرياضي والإعلامي، بل الأصول المادية مثل الساعات والمجوهرات والفنون. لم يعد اقتناء ساعة "باتيك فيليب" يختلف اختلافا شاسعا عن شراء سبائك الذهب، فكلاهما مخزن ملموس للقيمة صمم لمقاومة الاضطرابات الجيوسياسية وموجات الغلاء.

تؤكد بيانات الأداء هذه التوجهات؛ إذ تراجع مؤشر "نايت فرانك للاستثمار الفاخر"، الذي يرصد 10 فئات من المقتنيات، بنسبة طفيفة بلغت 0.4% في عام 2025 بعد تراجعات واسعة في معظم فئات الأصول سابقاً. في المقابل، قفزت مبيعات الفنون الجميلة في المزادات الكبرى 11%، مدفوعة ببيع لوحة جوستاف كليمت التاريخية مقابل 236.4 مليون دولار في مزاد نظمته دار "سوذبيز". كما ارتفعت أسعار الساعات بنسبة 5.1% بدعم من قفزة ساعات "باتيك فيليب" بنسبة 12.1% و"رولكس" بنسبة 4.6%. وعلى النقيض، تراجعت أسعار النبيذ الفاخر متأثرة بالرسوم الجمركية الأمريكية.

لكن الجدوى الفعلية للأصول الفاخرة كأداة تحوط تظل مسألة خلافية بين الاقتصاديين. كشفت دراسة أجراها كامبل هارفي من جامعة "ديوك" وباحثون في مجموعة "مان" عام 2021 أن الفن حقق عوائد تفوق التضخم بنحو 7% سنوياً خلال ثماني فترات تضخمية في الولايات المتحدة، من الحرب العالمية الثانية وحتى الفترة التي سبقت الأزمة المالية عام 2008.

لكن دراسة نشرت عام 2025 في مجلة "الاقتصاد التطبيقي" كشفت أن الفن، وإن كان يحمي من التضخم على المدى الطويل في فرنسا، إلا أنه لم يكن ذا جدوى في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة. وفي عام 2022، توصل بنك "كريدي سويس"، بالتعاون مع شركة "ديلويت برايفت"، إلى أن بعض السلع الفاخرة تحافظ على قيمتها أفضل بكثير من غيرها. فمثلا، حققت حقائب "شانيل" والفنون والساعات الصينية التقليدية أداء حسنا خلال فترات التضخم المرتفع، بينما عانت الفنون المعاصرة والنبيذ تراجعا خلال فترات التضخم المرتفع.

ورغم هذا التباين، تعيش الأصول الفاخرة طفرة قياسية. فقد سجلت دار "سوذبيز" مبيعات نصف سنوية قياسية بلغت 4.4 مليار دولار في 2026 بنمو 58%، بالتزامن مع إقبال متزايد على الأحجار الكريمة الملونة.

ولا تزال العائلات نفسها التي تستثمر أموالها في الأصول الفاخرة تراهن على الذكاء الاصطناعي. للعام الثالث على التوالي، وجدت دراسة أجرتها شركة "بي إن واي" أن الذكاء الاصطناعي يتصدر قائمة أكثر مجالات الاستثمار جاذبية خلال السنوات الخمس المقبلة، وفقًا لـ 68% من المشاركين في الاستطلاع.

هنا يبرز البعد النفسي والاجتماعي. ففي عصر الذكاء الاصطناعي ووفرة المنتجات، يتحول "الذوق الرفيع" إلى الفارق الحقيقي. وكما يوضح الاقتصاديون، فإن قيمة العمل الفني لا تقاس وفق منطق الأسهم، بل تنبع من المتعة الجمالية ومن إرسال إشارة صريحة بالثراء، في نمط استهلاكي أسماه عالم الاجتماع ثورستين فيبلين "الاستهلاك التفاخري".

يعكس هذا المشهد نمط "الاقتصاد غير المتكافئ"، حيث تشير بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى نمو حقيقي في إنفاق الأسر الثرية بنسبة 7.6% مقابل نحو 1% فقط للأسر منخفضة الدخل. في اقتصاد مثل هذا، الأصول الفاخرة ليست مجرد أدوات مالية؛ بل إعلان صريح عن القدرة على امتلاك ما يعجز عنه الآخرون.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية