يندر أن يتحول مصنع سيارات إلى وجهة سياحية، لكن أكثر من 300 ألف زائر تدفقوا بالفعل على "المصنع الخارق" لشركة "شاومي" الصينية منذ بدأت تنظيم جولات داخل خطوط تجميع سياراتها الكهربائية.
يعكس المشهد داخل المنشأة فصلاً جديداً تماماً في مسيرة التصنيع الصيني، بعيداً عن الورش كثيفة العمالة التي صنعت نهضة البلاد قبل ربع قرن. روبوتات صناعية بيضاء تدور بدقة حول هياكل سيارات سيدان كهربائية، بينما تجوب عربات الشحن الذاتية القيادة أرضية مصنع تتجاوز مساحته مبنى البنتاغون الأمريكي، مطلقة نغمات تحذيرية للبشر القلائل المنتشرين في أرجائه. هذه هي الصورة التي تود بكين تقديمها للعالم: قلعة صناعية أنيقة، ومبتكرة، وعالية التطور.
لم تعد الهيمنة الصينية محصورة في الألعاب والمنسوجات الرخيصة؛ فالصين تسيطر اليوم على 32% من القيمة المضافة للتصنيع العالمي، وهو ضعف حصتها عام 2010، وما يفوق إنتاج أكبر أربع قوى صناعية مجتمعة: الولايات المتحدة، وألمانيا، واليابان، وكوريا الجنوبية. ولم تشهد الأسواق العالمية تركيزاً إنتاجياً مماثلاً سوى في بريطانيا إبان الثورة الصناعية، أو الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية.
وبحسب صحيفة "واشنطن بوست"، تعتمد القفزة الصينية على مزيج من الأتمتة المتقدمة، وسلاسل الإمداد المتلاصقة، والتصميمات المبتكرة، والدعم الحكومي السخي. ففي مصانع السيارات الصينية، تنخفض تكلفة الإنتاج بما يراوح بين 25% و30% مقارنة بنظيراتها الغربية. ورغم ارتفاع الأجور المحلية، تظل تكلفة اليد العاملة لكل سيارة منخفضة لأن المركبات مصممة لتُجمع بسهولة وسرعة، وبأقل تدخل بشري ممكن. ففي مصنع "شاومي"، ينجز نحو 700 روبوت دورة إنتاج سيارة جديدة كل 76 ثانية.
أشعل هذا التفوق قلقاً دولياً واسعاً وتوترات تجارية متصاعدة مع واشنطن وبروكسل. فمع تجاوز الفائض التجاري الصيني حاجز 1.2 تريليون دولار، تتهم الولايات المتحدة بكين بتصدير فائض طاقتها الإنتاجية لتعويض ضعف الاستهلاك المحلي، ما دفع واشنطن إلى التلويح برسوم جمركية جديدة. وفي أوروبا، تتصاعد المخاوف بعد تدفق أكثر من مليون سيارة صينية الصنع إلى دول الاتحاد خلال عام واحد، ما وضع عمالقة السيارات الألمان في أزمة حرجة.
يرتكز النموذج الاقتصادي الصيني على تفضيل الإنتاج على حساب الاستهلاك. وتمنح السياسات الصناعية الحكومية الشركات تمويلاً منخفض التكلفة، وأراضي رخيصة، وحوافز ضريبية، ما يقود إنتاجا يفوق القدرة الشرائية للسوق المحلية. هذا الواقع يجبر الشركات على التصدير بأسعار تنافسية للغاية؛ فعلى سبيل المثال، تباع سيارة "بي واي دي سيل" المجهزة بأحدث التكنولوجيا بسعر يقل بأكثر من 8 آلاف دولار عن منافستها "تسلا موديل 3" داخل السوق الصينية.
وقال لويس كويجس، كبير الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في وكالة "إس آند بي جلوبال للتصنيفات الائتمانية": "هناك تقدم تكنولوجي هائل يحدث في الصين، فالشركات الصينية تتميز بالكفاءة العالية والسرعة الفائقة، كما أن نسبة السعر إلى الجودة لديها جذابة للغاية".
ورغم هذا الزخم الخارجي، يفرض النموذج ضغوطاً داخلية قاسية؛ فالاعتماد المكثف على الروبوتات قلص القوى العاملة في المصانع الصينية بنحو 18 مليون وظيفة مقارنة بعام 2013، ما فاقم أزمة التوظيف لدى الأجيال الشابة. إضافة إلى ذلك، يعاني قطاع الصناعة نزيفا ماليا حاد نتيجة حروب الأسعار؛ إذ سجل نحو ثلث الشركات الصناعية خسائر مالية، وتحولت 12% من المؤسسات إلى ما يعرف بـ"شركات الزومبي" التي تعجز حتى عن سداد فوائد ديونها، وتعيش على خطوط الائتمان الحكومية خوفاً من تداعيات الإفلاس.
وتقول أليسيا جارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك "ناتيكسيس": "عند النظر إلى القطاعات واحداً تلو الآخر، نجد أن أعداد هذه الشركات المتعثرة تتزايد بسرعة كبيرة؛ وسيكون عام 2026 عاماً كارثياً".
تستعد شركات السيارات الصينية اليوم لمضاعفة طاقتها الإنتاجية بنحو خمسة ملايين مركبة إضافية في ظل انكماش الطلب الداخلي. ومع هذا الفائض الضخم، لم يعد التوسع الخارجي خياراً تكتيكياً بالنسبة لبكين، بل ضرورة ملحة؛ وهي استراتيجية تضع الصناعات الغربية العريقة أمام تحدٍ وجودي لم تشهد له مثيلاً منذ عقود.


