فرضت جائحة كوفيد-19 نظام العمل الهجين، كما قد تُتيح لنا الحرب الإيرانية عطلة نهاية أسبوع من 3 أيام، فمع تحوّل سريلانكا والفلبين وباكستان إلى أسبوع عمل من 4 أيام بسبب الحرب في إيران، يقول الخبراء إننا أقرب ما نكون إلى أسبوع عمل أقصر بشكل دائم.
بدأ الأمر في آسيا، والآن يشعر قادة الغرب بالقلق أيضاً. ففي خطاب نادر للأمة اليوم، حذّر رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز من أن "الصدمات الاقتصادية" للحرب الإيرانية "ستستمر لأشهر"، وحثّ الناس على استخدام وسائل النقل العام حيثما أمكن، وذلك لتوفير الوقود للمزارعين والعمال الحرفيين والعاملين بنظام المناوبات الذين لا يملكون خياراً سوى القيادة إلى العمل.
وبعد ساعات، خاطب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الأمة بشأن الأثر الاقتصادي الأوسع للحرب. وعلى الجانب الآخر حثّت المفوضية الأوروبية المواطنين على العمل من المنزل، والحدّ من القيادة والسفر جواً، ودعت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى تسريع اعتماد الطاقة المتجددة.
بحسب مجلة "فورتشن" لم يذكر أيٌّ منهم أسبوع عمل من 4 أيام. لكن المسار الحالي واضح لا لبس فيه: تُجبر الحكومات، واحدة تلو الأخرى، على مواجهة أزمة الطاقة نفسها، إذ تُهدد الحرب في الشرق الأوسط شحنات النفط الحيوية عبر مضيق هرمز.
ما بدأ كإجراء طارئ في الدول النامية ينتشر الآن عالميًا. ألا يبدو هذا مألوفا؟ لقد مررنا بهذا من قبل: ففي المرة الأخيرة التي اضطر فيها العالم إلى تغيير نمط حياته بشكل جماعي، أثناء الجائحة، أصبحت التغييرات التي ظننا أنها مؤقتة دائمة. لم يختف العمل الهجين مع إعادة فتح المكاتب، بل أعاد تشكيل طريقة عملنا.
هل سيُفرض أسبوع عمل طارئ لأربعة أيام بين عشية وضحاها؟
رغم حثّ الهيئات البيئية البريطانيين والأستراليين على العمل من المنزل، صرّح فلاديسلاف ريفكين، أستاذ السلوك التنظيمي في كلية ترينيتي للأعمال، لمجلة فورتشن، بأنّ عطلة نهاية أسبوع عالمية لمدة 3 أيام تبدو غير مرجّحة حاليًا.
ويرجع ذلك إلى أنّ إعادة هيكلة دائمة لكيفية تنظيم العمل أصعب بكثير من التحوّل المفاجئ إلى العمل من مكتب منزلي مؤقت.
ترى البروفيسورة روبيرتا أغوزولي من جامعة دورهام أن أوروبا قد لا تحتاج لتقليص أسبوع العمل بسبب البنية التحتية المتطورة للنقل العام، على عكس بعض الدول النامية التي تواجه انقطاع الوقود. ومع ذلك، تشير إلى أن تجربة العمل القصير في آسيا يمكن أن تكون نقطة تحول؛ فالملايين على وشك إثبات قدرتهم على إنجاز المهام نفسها في وقت أقل، ما قد يدعم حركة أسبوع العمل القصير على المدى الطويل.
لماذا قد يُغير أسبوع العمل لأربعة أيام في آسيا طريقة العمل في العالم بشكل دائم؟
يبقى أن نرى ما إذا كان أسبوع العمل الطارئ لأربعة أيام في آسيا سيُحدث نفس الأثر الدائم الذي أحدثه قرار العمل من المنزل خلال الجائحة، أو حتى ما إذا كان سينتشر إلى أوروبا والولايات المتحدة. ولكن بمجرد أن يتذوق العمال طعم أسبوع عمل أقصر، حتى لو كان قسريا، يصعب إقناعهم بالعودة إلى النظام القديم.
يقول ويليام سيلف، كبير إستراتيجيي القوى العاملة في شركة ميرسر: "لم ينتشر العمل عن بُعد لأن الشركات خططت له، بل انتشر لأن جائحة كورونا أجبرت على تجربته، وقد نجحت التجربة، ولم يكن العمال مستعدين للتخلي عما كسبوه. وينطبق المنطق نفسه هنا".
مع إضافة الذكاء الاصطناعي وإعادة تعريف الإنتاجية، وأزمة تكاليف المعيشة، والأجور الثابتة، والموظفين الذين جربوا المرونة بالفعل، تتجمع الضغوط لتطبيق طرق عمل أكثر مرونة من كل الاتجاهات. الأزمات الطارئة أو لا، تُظهر الدراسات أن العالم بالفعل يتجه نحو أسابيع أقصر.
ووفقًا لمؤسسة CIPD، يُمكن أن يُصبح أسبوع العمل لأربعة أيام هو الوضع الطبيعي الجديد. وهناك توجه عالمي متزايد نحو هذا النهج، حيث تتطوع منظمات في مختلف البلدان لاختبار فاعلية هذه السياسات.
ولحسن حظ العاملين، فإن أزمة الوقود ليست السبب الوحيد لهذا التحول، ما يزيد من احتمالية استمراريته، ولكن هذا أيضًا هو السبب في أنه لا ينبغي توقع انتشاره فجأة كما حدث مع العمل الهجين خلال الجائحة.
لماذا قد يُفاقم أسبوع العمل لأربعة أيام عدم المساواة؟
لعلّ أكثر الحقائق إزعاجًا بشأن أسبوع العمل لأربعة أيام هو من سيستفيد منه فعليًا، ومن يستبعد.
بالنسبة إلى موظفي المكاتب، يُعدّ الانتقال سلسا نسبيًا ومرحبا به إلى حد كبير.
لكنّ العاملين في وظائف أقل مهارة، أو تلك التي تتطلب التعامل المباشر مع العملاء، أو التي تتطلب جهدا بدنيا كبيرا - كسائقي التوصيل، وعمال البناء، ومقدمي الرعاية، وموظفي المتاجر - يواجهون واقعا مختلفا تماما. يُجادل أغوزولي بأنّ ضغط نفس الإنتاجية في ساعات أقل لا يعني مزيدًا من الراحة، بل يعني مزيدًا من الإجهاد، وإرهاقًا أكبر، ومخاطر أعلى لحوادث العمل.
في النهاية، يقول أغوزولي، رغم أنّ أسبوع العمل لأربعة أيام قد يُساعد على تقليص الفجوة الحالية بين الجنسين، إلا أنّه قد "يُوسّع الفوارق بين العمال المهرة والعمال ذوي المهارات المتدنية".
ولا تتوقف الانقسامات عند هذا الحد. يحذر ريفكين من أن أسبوع العمل لأربعة أيام قد يُحدث انقسامًا في بيئات العمل من الداخل: "على سبيل المثال، إذا كان الموظف الإداري في المستشفى يعمل أربعة أيام في الأسبوع، بينما يتعين على الممرضة العمل خمسة أيام في الأسبوع."
النتيجة ليست بيئة عمل أكثر عدلا، بل بيئة عمل أكثر استياء. فبدلا من تحقيق تكافؤ الفرص، قد يؤدي تطبيق نظام العمل لأربعة أيام إلى جعل المهن التي تتطلب جهدًا بدنيا كبيرا أقل جاذبية، وأصعب في التوظيف، وأكثر خطورة مما هي عليه بالفعل.

