الثلاثاء, 20 أكتوبر 2026|8 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

مع بلوغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي قرابة 125%، يواجه هذا البلد المنقسم سياسياً، الذي يعاني شيخوخة السكان وضغوط تكاليف المعيشة، خيارات قاسية لإصلاح أوضاعه المالية، لا شعبه ولا ساسته يملكون الإرادة لمواجهتها.

قد تبدو هذه الأوصاف مطابقة تماماً لفرنسا، لكنها في الحقيقة تخص الولايات المتحدة.

صحيح أن الولايات المتحدة لم تشهد مؤخراً أعمال شغب أسفرت عن اعتقال ألفي شخص، على عكس فرنسا، التي أعلنت سلسلة متاجر "كارفور" الشهيرة عن تعرض 50 فرعاً للنهب والتخريب، وأحرق مبنى بلدية مدينة ليموج.

غير أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا تقل قليلاً عن نظيرتها الأمريكية، كما أن عجز الموازنة الفرنسية، المتوقع أن يبلغ 5.4% من الناتج المحلي هذا العام، أقل من العجز المتوقع للولايات المتحدة والبالغ 6.1%.

Tue, 20 2026

وفوق ذلك، تدفع فرنسا للمستثمرين عائداً يقل بنحو 20 نقطة أساس عما تدفعه الولايات المتحدة عند الاقتراض لأجل 10 سنوات، حتى مع ارتفاع عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات بنحو 10 نقاط أساس يوم الاثنين، علماً بأن العوائد تتحرك في اتجاه معاكس لحركة الأسعار.

ولا تعد الاحتجاجات التي يقودها الطلاب حدثاً فريداً، إذ اندلع 26 احتجاجاً مماثلاً هذا العام، من الهند إلى الولايات المتحدة.

وبحسب "ماركت ووتش"، يقول بلال حفيظ، الخبير الاستراتيجي السابق في "دويتشه بنك" و"نومورا" ورئيس خدمة الأبحاث "ماكرو هايف": "يتباين حجم هذه الاحتجاجات، لكنها أشبه بعدوى. فالقواسم المشتركة بينها تكمن في نقص الإنفاق على قطاع التعليم وما ينجم عنه من تهالك للمباني واكتظاظ الفصول الدراسية، وارتفاع الرسوم الجامعية وتكاليف الإقامة، وتلاشي الأمل".

واقتبس حفيظ المراحل الست للديون والنظام العالمي الذي وضعه راي داليو، مؤسس صندوق التحوط العملاق "بريدج ووتر أسوشيتس"، وقال: "بتعبير آخر: المرحلة الرابعة تتمثل في الإفراط في الإنفاق وتراكم الديون؛ والخامسة ديون لا يمكن إدارتها، واستقطاب سياسي داخلي حاد، وصراع طبقي؛ أما السادسة فهي مرحلة الانهيار والصراع، وتتضمن سقوط النظام القائم على القواعد والعودة إلى سيادة منطق القوة. وبحسب تقديراته، نعيش حالياً المرحلة السادسة".

ولفرنسا على وجه الخصوص، تأتي هذه الاضطرابات قبيل مراجعة وكالة "موديز" المجدولة للتصنيف الائتماني يوم الجمعة، والنتائج الإيجابية غير متوقعة.

Mon, 19 2026

يتزامن ذلك أيضا مع محاولات الحكومة الفرنسية لتمرير الموازنة عبر برلمان منقسم. وفي هذا الصدد، يلفت نيكو فيتزروي، كبير محللي الشؤون الأوروبية لدى "سيجنوم جلوبال"، إلى مفارقة إيجابية؛ فمارين لوبان، المتصدرة لسباق الانتخابات الرئاسية والتي تقترح خفض سن التقاعد إلى 60 عاماً، حريصة على تقديم صورة تعكس الأمن والاستقرار، ما يدفع حزبها لتجنب المغامرة وعرقلة الموازنة وإدخال البلاد في أزمة جديدة.  

لكن فرنسا تواجه معضلات لا تعانيها الولايات المتحدة؛ وأولها محدودية قدرتها على الخروج من مأزق الديون عبر النمو الاقتصادي، حيث لم ينم الاقتصاد الفرنسي سوى 0.9% العام الماضي، ويتوقع صندوق النقد الدولي ألا يتجاوز نموه 0.5% هذا العام. وبالمقارنة، حققت الولايات المتحدة نمواً بلغ 2.3% العام الماضي، وهو معدل يتوقع صندوق النقد استمراره خلال عامي 2026 و 2027.

علاوة على ذلك، يرزح القطاع الخاص الفرنسي تحت وطأة ديون ثقيلة. تبلغ نسبة الديون المجمعة للأسر والشركات غير المالية إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 3 أضعاف، مقابل قرابة 1.5 ضعف فقط في الولايات المتحدة.

لكن الفارق الجوهري الأكبر يكمن في النفوذ الاستثنائي للولايات المتحدة في الأسواق المالية العالمية.

وفي هذا السياق، قال ستيف إيزمان، المستثمر الشهير الذي وثق فيلم "The Big Short" مسيرته، خلال حديث إذاعي تناول فيه مشاكل فرنسا: "الدولار هو عملة الاحتياط العالمية، والأهم من ذلك أن النظام المالي العالمي بأسره قائم على سندات الخزانة الأمريكية".

وأضاف: "سوق عمليات إعادة الشراء (الريبو)، وهي سوق مصرفية بمليارات الدولارات، لا تستخدم إلا سندات الخزانة الأمريكية. وحين ترغب المؤسسات المالية الكبرى في إيداع سيولتها النقدية، فإنها تشتري سندات الخزانة. وما لم يظهر بديل ضخم وآمن وسلس لسندات الخزانة، ستظل الولايات المتحدة تنعم بامتياز الوقت.. لكنه ليس مضمونا إلى الأبد".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية