قال الاقتصادي الفرنسي المتخصص في قضايا عدم المساواة توماس بيكيتي "إن مبادرة تهدف إلى مكافحة التفاوت الاقتصادي والتصدي لتغير المناخ قد تمنح الصين فرصة للاستفادة من إعادة تشكيل المؤسسات المالية والتجارية العالمية، بما يحرر الدول من السعي المستمر لتحقيق فوائض تجارية وتكديس احتياطيات ضخمة من العملات الأجنبية".
ويطرح تقرير أعده بيكيتي مع باحثين في مختبر اللامساواة العالمي، ونُشر الخميس، خطة متكاملة ومحددة التكاليف تهدف إلى تقليص فجوة اللامساواة عالمياً، وتمويل التحول الأخضر، وإصلاح النظام المالي الدولي. وتقترح الخطة الاعتماد على رسوم جمركية وآليات تمويل تشمل ضرائب على الثروات وإنشاء صندوق سيادي مملوك للدولة.
وقال بيكيتي في حديث لصحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" قبل نشر التقرير "إن النقاشات التجارية التي شهدها العالم في ظل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وما صاحبها من مخاوف واسعة تعكس مشكلة جوهرية، تتمثل في الحاجة إلى عملة دولية جديدة".
ويقترح الباحثون إنشاء بنك مركزي تابع للأمم المتحدة يحل محل صندوق النقد الدولي، إلى جانب إصدار عملة دولية جديدة تحمل اسم "عملة الأمم المتحدة" وإنشاء اتحاد دولي للمقاصة المالية.
وأوضح بيكيتي أن العملة المقترحة ستستند إلى حقوق السحب الخاصة التابعة لصندوق النقد الدولي، والتي تضم سلة من العملات تشمل الدولار الأمريكي واليورو واليوان الصيني والين الياباني والجنيه الإسترليني. ويرى أن هذه العملة ستكون أكثر استقراراً من أي عملة منفردة، لأنها لن تكون خاضعة لقرارات حكومة واحدة تستطيع خفض قيمتها أو التخلي عنها، وهو ما من شأنه تقليل الضغوط التي دفعت عديدا من الدول إلى تكديس فوائض تجارية كوسيلة للحماية من الأزمات المالية منذ الأزمة الآسيوية 1997.
وأضاف: "لا ألوم الصين، لأنني أعتقد أن استراتيجيتها في تكديس الفوائض التجارية هي في حد ذاتها نتيجة لنظام مالي دولي يشعر فيه الجميع بنوع من القلق من الوقوع في أزمة مالية قد تبتلع فيها الأسواق المالية العالمية عملاتهم".
وأكد بيكيتي أن هيمنة الدولار الأمريكي باتت تشكل عبئًا على الجميع. قال "إن الدول التي تحقق فائضًا تجاريًا، كالصين وألمانيا، اضطرت إلى إعادة استثمار عائداته في أصول أمريكية، ما أدى إلى تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى الولايات المتحدة، وبالتالي تضخم قيمة الدولار الأمريكي - بنسبة تراوح بين 30 و40% في حالة اليورو - وتحويل الولايات المتحدة إلى دولة مدينة صافية".
ورغم أن الحديث عن نظام عالمي جديد للحوكمة الاقتصادية قد يبدو مثالياً في ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة وتراجع مستويات الثقة بين الدول، يرى بيكيتي أن الخطاب القومي والأحادي الذي تبناه ترمب صرف الانتباه عن التحديات الحقيقية التي تتطلب تعاوناً دولياً واسعاً.
وأشار إلى أن المجتمع الدولي سيجد نفسه عاجلا أم آجلا مضطرا للعودة إلى العمل المشترك لمواجهة ما وصفه بأخطر التحديات الراهنة، والمتمثل في التوفيق بين تطلعات سكان العالم، خصوصاً في دول الجنوب العالمي، إلى تحقيق مستويات أعلى من الازدهار، وبين الحفاظ على قابلية الكوكب للحياة.
واختتم بيكيتي بالتأكيد على أن توقيت الأزمة المناخية أو الجيوسياسية الكبرى المقبلة لا يمكن التنبؤ به، لكن دروس التاريخ تشير إلى أن الفترة التي تسبق وقوع الأزمات هي الوقت الأنسب لوضع خطط عملية ومفصلة وقابلة للتنفيذ.

