الجمعة, 21 أغسطس 2026|7 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

مع اختفاء النسخ الورقية لمعظم الصحف والمجلات والدوريات العالمية الورقية، ومن ضمنها كبرى الصحف المحلية السعودية بعد إيقاف الطباعة، والتوجه إلى النسخ الإلكترونية الرقمية، اختفت بالتالي صناديق الصحف التي كانت تزيّن جدران أبواب المنازل والدوائر الحكومية والفنادق.

تلك الصناديق المعدنية أو الخشبية التي كانت معلّقة بانتظار الجريدة الصباحية، أصبحت اليوم فارغة أو أُزيلت أو تحوّلت إلى أماكن لوضع الإعلانات، كأنّها لم تكن يوماً جزءاً من المشهد اليومي.

في الـ24 من أغسطس الحالي، تطوي جريدة "الرياض" ومجلة "اليمامة" آخر صفحاتهما الورقية، بعد مسيرة تجاوزت الـ60 عاماً للأولى والـ70 عاما للثانية، آخر عددٍ ورقيٍّ سيخرج من المطبعة، ثم تصمت الآلات، ويتحوّل كل شيء إلى شاشاتٍ باردة وملفاتٍ رقمية.

ليست "الرياض" و"اليمامة" الأوليين في هذا الطريق، فقد سبقتهما صحيفة "الاقتصادية" التي كانت من ضمن الصحف التي اتخذت قرار التوقف عن الطباعة الورقية والاتجاه الكامل إلى الرقمنة، بعد استمرت منذ تأسيسها ورقياً نحو 3 عقود، ثم اتخذت الخطوة الجريئة، فأصابت نجاحاً ملحوظاً، ويتوقع أن تحذو صحف سعودية كبرى أخرى حذوها قريباً.

وداع صناديق الصحف

هذا الأمر ليس نهاية صحيفةٍ فحسب، بل وداع لطقسٍ كامل، كان الرجل في وقت قريب، يفتح باب بيته صباحاً فيجد الجريدة ملفوفةً في صندوقها، يشم رائحة الحبر، يسمع صوت تقليب الصفحات، يمرر إصبعه على العناوين، أما اليوم فالجريدة تأتي في جيبه، بلا وزنٍ ولا رائحة ولا أثرٍ في الطاولة.

يوضح عبد المغني الطويري، المستشار السابق في التوزيع والاشتراكات بإحدى المؤسسات الصحفية الكبرى، بأن الصناديق كانت توزع بالمجان على المشتركين، وكان الصندوق الواحد يكلّف المؤسسة نحو 100 ريال، ويراعى في تصميمه أن يستوعب أكبر قدرٍ من الصحف والمجلات في حال غياب صاحبه، مبيناً أن هذه الصناديق بدأت بالاختفاء تدريجياً بعد إلغاء الطباعة لكثير من الصحف والإصدارات.

هوائيات التلفزيون.. ذاكرة الأسطح

وهناك مشاهد أخرى اندثرت، وهي هوائيات التلفزيون الأرضية التي كانت تنبت على أسطح البيوت كأشجارٍ معدنيةٍ صامتة، وأصبحت لاحقاً ملاذاً مؤقتاَ للطيور والحمائم، وكان آخر رواجٍ حقيقي لها في السعودية عام 2002، عندما أتاحت السعودية لمواطنيها والمقيمين فرصة مشاهدة أهم مباريات كأس العالم التي أُقيمت حينها في كوريا واليابان عبر القنوات السعودية الأرضية، خاصة تلك التي كان المنتخب السعودي طرفاً فيها، وجدت الهوائيات يومها رواجاً منقطع النظير، رغم هيمنة الأطباق الفضائية والقنوات الرقمية آنذاك. ثم جاءت الأطباق فانتزعتها، واليوم ها هي الأطباق نفسها تشيخ أمام الشاشات الذكية والتطبيقات.

Untitled design(30)

يقاس على ذلك، صناديق البريد التقليدية التي اختفت بدورها، فلم يعد أثر للرسائل الورقية، وحتى البنوك أصبحت ترسل كشوفها عبر رسائل SMS أو البريد الإلكتروني، أما البريد السعودي "سبل" فقد استعاض عن الصناديق البريدية التقليدية بالصناديق الرقمية الإلكترونية ضمن مشروع "واصل" البريدي.. ومع ذلك بقيت بعض الصناديق القديمة شاهدةً على الزمن، بعضها مشرع الباب، وبعضها اختفى بابه تماماً، والأغلبية مقفلة صامتة، كأنها تنتظر رسالةً لن تأتي أبداً.

وحول الصناديق، يوضح مصدر بريدي أن الاستخدام التقليدي لها ما زال قائماً في الشركات والسفارات والدوائر الحكومية، مبيناً أن التحوّل بدأ عام 2007، بينما أقر مجلس الوزراء عام 2013 نظام العنونة الموحّد. تدرّجت الخدمة من "واصل" إلى العنوان الوطني، ثم الصندوق الرقمي "4 أحرف و4 أرقام" مشيراً، إلى أن الصناديق القديمة ما زالت مستخدمة برسوم، عازياً هذا إلى عدم تقبل الفكرة حينها، وأيضاً إلى غياب التوعية والتطور الرقمي.

قانون الزمن

لا حزن في الأمر، ولا فرح أيضاً، إنه قانون الزمن، كل وسيلةٍ تحمل معها طقساً، وكل طقسٍ يحمل معه ذاكرة، وكل ذاكرةٍ تموت حين تموت الوسيلة، الورق كان يمنح القراءة بطئاً وتأملاً، والشاشة تمنحها سرعةً واستهلاكاً، لكنّ الغريب في الأمر أن الذاكرة لا تموت تماماً.

ستبقى صورة الصندوق المعدني معلّقاً على جدارٍ قديم، وصورة الهوائي على السطح وهو يضبط إشارات البث في أيام الصيف والرطوبة ـ خاصة في المدن الساحلية مثل جدة ومدن الخليج، عندما كانت تأتي الصورة والصوت واضحة من مصر ومحطات دول التعاون، كما أن صورة صندوق البريد التقليدي ببابه المقفول أو المكسور، وصورة الطبق الفضائي الذي كان يطل على السماء، أو الهوائي الذي أصبح مجرد حامل لحمائم وطيور هائمة، هي ما تبقى من حضارات لم تلبث واندثرت بعد تسيدها أزمان وأيام.

صناديق الصحف، وصناديق البريد، وهوائيات التلفزيون، والأطباق الفضائية.. حضارةٌ سادت ثم بادت، لكنّها تركت وراءها شيئاً لا تستطيع الشاشات أن تمحوه وهو حنين الإنسان إلى ما يلمسه ويشمه ويسمعه وهو يتلقى أخبار يومه.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية