كان يُفترض أن تكون شركات الطيران الصينية، التي تٌسير رحلات جوية إلى أوروبا عبر مسارات تتجاوز الشرق الأوسط، من المستفيدين القلائل من حرب إيران. إلا أن المستثمرين يتجهون إلى بيع أسهمها وسط مخاوف من ضعف قدرتها على امتصاص الارتفاع الحاد في أسعار الوقود.
تراجعت أسهم "إير تشاينا" و"تشاينا إيسترن إيرلاينز" و"تشاينا ساوثرن إيرلاينز" بما لا يقل عن 26% في بورصة هونج كونج منذ اندلاع النزاع في 28 فبراير. وتُصنف أسهم شركات الطيران المملوكة للدولة ضمن الأكثر تضرراً على مؤشر بلومبرغ العالمي لعوائد أسعار شركات الطيران منذ بداية الحرب.
يُبرز هذا الهبوط مدى تفاوت تأثير أزمة الوقود على شركات الطيران عالمياً، إذ تظل شركات الطيران منخفضة التكلفة الأكثر تأثراً بارتفاع نفقات الوقود، في حين تكبدت "إير آسيا إكس" (AirAsia X) الخسائر الأكبر مع صعود أسعار النفط نتيجة تصاعد التوترات.
لكن محللين يرون أن شركات الطيران الصينية الكبرى، التي كانت تعاني أساساً قبل اندلاع الحرب، أكثر عرضة للخطر، إذ تفتقر إلى حد كبير إلى أدوات التحوط ضد تقلبات أسعار الوقود، ما يضطرها للشراء وفق الأسعار الفورية في السوق. كما تواجه صعوبة في تمرير تكاليف الوقود إلى المستهلكين داخل السوق المحلية، حيث يُولي المسافرون اهتماماً كبيراً للأسعار، ويُشكل القطار فائق السرعة بديلاً تنافسياً.
بهذا الصدد، قالت تابيثا فو، المحللة لدى "دي بي إس غروب هولدينغز" (DBS Group Holdings) في سنغافورة، إن تكاليف الوقود باتت تمثل تهديداً رئيسياً لشركات الطيران الصينية غير المحوطة. وأضافت أن "حساسية المستهلكين للأسعار في الصين تعني أن شركات الطيران غير قادرة على تمرير تكاليف الوقود المرتفعة بفعالية مماثلة لنظيرتها في الأسواق المتقدمة الأخرى".
يتناقض الأداء الضعيف لأسهم شركات الطيران مع التعديلات في جداول الرحلات والارتفاع الملحوظ في أسعار التذاكر عقب حرب إيران، وهي مؤشرات كان يُفترض أن تصب في صالح شركات "إير تشاينا" و"تشاينا إيسترن" و"تشاينا ساوثرن".
وفي هذا السياق، كثفت شركات الطيران الصينية وتيرة رحلاتها من وإلى أوروبا لسد الفجوة التي خلفتها شركات الطيران الخليجية المتأثرة بالهجمات الصاروخية والمسيرات في المنطقة، إلى جانب إغلاق المجال الجوي. وتشير بيانات جدولة الرحلات الصادرة عن "سيريوم" (Cirium) إلى ارتفاع عدد الرحلات الصينية إلى أوروبا بنحو 20% خلال أشهر الصيف.
أسعار التذاكر لا تعوض ارتفاع أسعار الوقود
خلال الأسابيع التي تلت اندلاع الحرب، أصبح الحصول على تذاكر على متن شركات الطيران الصينية صعباً على مسارات الترانزيت بين أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ. وتعرض "تشاينا إيسترن" رحلة ذهاب وعودة بين سيدني ولندن، تنطلق في 3 أبريل وتعود بعد أسبوع، بسعر يصل إلى 32524 يوان (4730 دولار أيريكي) للدرجة الاقتصادية. وقد نفدت تذاكر العديد من أيام هذا الشهر، رغم تراجع الأسعار لاحقاً خلال العام إلى نحو 10800 يوان.
حرب إيران تنهي عام رهانات المستثمرين على رسوم جمركية فرضها ترمب
لم يستجب ممثلو شركات الطيران الثلاث لطلبات التعليق.
وقال محللو "بنك أوف أمريكا" (Bank of America) ناثان جي وإيمي هان إنهما يشككان في قدرة الارتفاع الحالي في أسعار تذاكر الرحلات الدولية، التي تستفيد منها الشركات الصينية حالياً، إلى جانب زيادة معدلات إشغال المقاعد، على تعويض القفزة الحادة في تكاليف وقود الطائرات.
في المقابل، تشير بيانات أقسام السفر المؤسسي لدى "فلايت سنتر ترافل غروب" (Flight Centre Travel Group) إلى تزايد إقبال المسافرين على المطارات الصينية كنقاط عبور رئيسية للرحلات بين أستراليا وأوروبا، إضافة إلى استخدامها كمحطات ترانزيت لوجهات طويلة المدى أخرى.
ميزة الأجواء الروسية
كذلك، تتمتع الصين بميزة فريدة تتمثل في إمكانية التحليق فوق المجال الجوي الروسي، ما يتيح تشغيل رحلات أكثر مباشرة وأسرع من وإلى أوروبا، ومع ذلك، لم تنجح في استعادة ثقة المستثمرين، فقد واصلت "إير تشاينا" و"تشاينا إيسترن" تسجيل الخسائر خلال عام 2025، لتدخلا عامهما السادس على التوالي دون تحقيق أرباح، وفقاً للنتائج المنشورة خلال الأسبوعين الماضيين. كما حذرت "تشاينا إيسترن" من تداعيات أي تقلبات إضافية حادة في أسعار الوقود.
في المقابل، عادت "تشاينا ساوثرن" إلى تحقيق أرباح بعد خمس سنوات من الخسائر. إلا أن هذا التحسن قد يكون مؤقتاً، إذ تواجه الشركة صعوبة في امتصاص أثر ارتفاع أسعار الوقود خلال النصف الأول من عام 2026، بحسب إريك تشو، المحلل لدى "بلومبرغ إنتليجنس" في هونغ كونغ.
وأوضح تشو أن "الأمر الأهم الذي يجب مراقبته هو ما إذا كانت أسعار الوقود المرتفعة ستستمر خلال موسم الذروة الصيفي الحاسم. وأضاف أن الربع الثالث من العام سيكون على الأرجح الفترة الفاصلة التي تحدد مسار ربحية شركات الطيران الصينية هذا العام.
