هناك شوارع تؤدي وظيفة تنظيم حركة المرور، وأخرى تتحول مع الزمن إلى جزء من ذاكرة المكان، لكن شارع "طلعة صدقي" في مكة المكرمة، أو كما يعرفه المكيون والحجاج بـ"شارع صدقي"، ينتمي إلى الفئة الثانية، إذ لم يعد مجرد طريق تعبره السيارات والمارة، بل تحول إلى معلم ارتبط بمشهد الحج نفسه، وصار حضوره جزءاً من رحلة ضيوف الرحمن، بما يحمله من حركة على مدار الساعة وذكريات.
يقع "طلعة صدقي" شمال حي العزيزية، وهو أحد أكثر أحياء مكة حيوية وقربًا من المشاعر المقدسة، ويمتد بطول يقارب 3 كيلومترات حتى يقترب من نطاق مشعر منى والجمرات، ليشكل عبر سنوات طويلة ممرًا إنسانيًا تتقاطع فيه الحكايات والخطوات والدعوات.

صورة
"صدقي" .. وجغرافيته الإنسانية!
هذا الشارع لا يُعرف حقاً إلا في موسم الحج.. حيث تتغير ملامحه بالكامل، وتخف في جنباته حركة المركبات أو تتوقف، حينها فقط تتسع المساحة للمشاة، فتتحول الطريق إلى نهر بشري هائل يسير في اتجاه واحد، نحو أداء النسك، أو آيبين من المشعر حيث سكنهم إما بالفنادق التي تزدحم بالمنطقة، أو باتجاه العزيزية الحي الذي لا يهدأ ولا ينام في كل المواسم..
في "صدقي".. لا تبدو الجغرافيا مهمة بقدر ما تبدو الإنسانية حاضرة.. وجوه من آسيا وإفريقيا وأوروبا والعالم العربي، لغات مختلفة، ملابس متعددة الألوان، لكن الوجهة واحدة، والشعور واحد.
على امتداد الشارع، تنبض حياة لا تهدأ، مطاعم ومقاهٍ تستقبل المارة، محال متخمة بملابس الإحرام والهدايا والسبح والمصاحف، وصيدليات وخدمات متتابعة، وباعة شاي وفطائر يعرفون كيف يختبئون بعيدا عن أنظار موظفي البلدية .. مشهد تجاري موسمي يتشكل شارع صدقي كل عام ليخدم ملايين الحجاج، حتى أصبح أكثر من شارع تجاري، فهو سوق مفتوح للحج وأحد أكثر شوارع مكة ارتباطاً بالحركة الموسمية. لكنه في المقابل من أكثر الشوارع هدوءاً خارج موسمي الحج ورمضان.
تبرز خصوصيته في تحوله الكامل خلال موسم الحج، خصوصاً أيام التشريق، من شارع لحركة السيارات والحافلات إلى ممر واسع للمشاة. وعلى امتداده تنتشر الفنادق والأبراج السكنية التي تمتلئ بالحجاج في الموسم، ثم تعود إلى هدوئها المعتاد بقية العام. وهذا التباين بين وهج الموسم وسكون ما بعده يمنح الشارع طابعه الخاص، وكأنه يعيش بإيقاعين مختلفين، أحدهما نابض بالحركة والإيمان، والآخر يحتفظ بذاكرة تلك الأيام.
قصة التسمية .. واقتصاد الموسم

صورة(5)
يرى مؤنس الصقري، أحد أبناء الحي والمهتمين بتوثيق تاريخ شارع صدقي وتحولاته الاقتصادية، أن تسمية الشارع تعود إلى الأديب الراحل إبراهيم صدقي، الذي كان يملك قصراً في أعلى "الطلعة"، مشيراً إلى أن عمر الشارع بمفهومه الحديث لا يتجاوز سبعين عاماً، "إلا أن مكانته الحالية لم تتشكل دفعة واحدة، بل تعززت تدريجياً خلال العقدين الأخيرين مع التوسع العمراني وتزايد دوره في خدمة الحجاج".
وعن الجانب الاقتصادي، يبين الصقري أن فنادق المنطقة تعيش على موسمين رئيسيين يشكلان عماد نشاطها، "موسم الحج وشهر رمضان، إذ تحقق خلالهما معدلات إشغال مرتفعة تعكس أهمية الموقع وقربه من مسارات حركة الحجاج. وبعد انتهاء الموسم تدخل الفنادق فترة توقف مؤقتة مخصصة للصيانة والتجهيز تمتد من محرم حتى ربيع الآخر، استعداداً لاستقبال الموسم التالي مع الحفاظ على السياسة السعرية المعتمدة.
من جانبه، يوضح الخبير العقاري عبد الله الفال أن تكلفة إقامة الحاج في شارع صدقي خلال موسم الحج تراوح بين 3 و4 آلاف ريال للسرير الواحد داخل غرفة رباعية، مشيراً إلى أن الحد الأدنى للطاقة الاستيعابية للفنادق في المنطقة يبدأ من نحو 125 غرفة للفندق الواحد، وهو ما يبرز حجم الطلب التشغيلي الذي يشهده الشارع خلال الموسم.

صورة(2)
كان ممرا جبليا وعرا .. واليوم شريان للحجيج
لم يكن شارع صدقي في بداياته كما يرى اليوم، فقد كان طريقاً شاقاً تتخلله المرتفعات والانحدارات، ومسلكاً وعراً يفرض على سالكيه جهداً للوصول والتنقل، وهنا يوضح الباحث التراثي المكي الدكتور عبدالله محمد أبكر، أن شارع صدقي: "حديث في تسميته وصورته العمرانية، لكنه قديم في حضوره ووظيفته"، إذ كان في الأصل ممراً للمشاة شُق بين جبلين، ويصل بين الجمرة الكبرى وقلب حي العزيزية والعزيزية بشقيها الشمالي والجنوبي، كما كان منفذاً يسهّل الوصول إلى محبس الجن والمسجد القطري، رابطاً بين مشعر منى وتلك الأحياء المجاورة.
ويضيف أبكر، مؤلف كتاب "صور من تراث مكة المكرمة في القرن الرابع عشر الهجري"، أن السائر في الطريق بالماضي كان عبر منحدراً تصطف على جانبيه البيوت والمساكن والأحواش المطلة عليه، قبل أن تشهد المنطقة تحولات عمرانية متسارعة غيّرت ملامحه، فيما ظل الطريق محتفظاً بدوره بوصفه ممراً يربط الحركة بالحكاية، والمكان بالذاكرة.

صورة(1)
لماذا بقي "صدقي" في ذاكرة المكان؟
ولأنه آخر شارع يسلكه الحاج قبل رمي الجمرات، وأول شارع يعود إليه بعد إتمام النسك، ولأنه يمتلئ بالدعاء والتكبير والمشاعر المتدفقة، يرتبط في وجدان كثير من الحجاج بشعور من الراحة والسكينة أثناء السير فيه. لذلك لم يعد شارع صدقي مجرد طريق، بل أصبح ذاكرة حية لكل من مر به، وشاهداً على روحانية المكان، والمشاعر المقدسة ، فكثير من الحجاج قد لا يتذكرون أسماء الشوارع التي عبروا منها في الحرمين، ولكنهم بالتأكيد يتذكرون شارع صدقي ومعالمه.

