بعد أن أسهم تدخل غير معتاد من وزارة الخزانة الأمريكية خلال أغسطس في تهدئة اضطرابات سوق السندات بشكل محدود، عادت عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى الارتفاع الحاد، فيما لم تقتصر موجة البيع الأخيرة على الولايات المتحدة، بل امتدت إلى أسواق الدخل الثابت العالمية، وسط مجموعة من المخاوف الاقتصادية الكلية التي دفعت عوائد السندات الحكومية إلى الصعود من بريطانيا وألمانيا إلى اليابان.
وسجل عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات أعلى مستوى له منذ 2025، وبدأت تداعيات الارتفاع تظهر بالفعل في أسواق الإقراض للمستهلكين، مثل الرهون العقارية. وقفز معدل الرهن العقاري الأمريكي لأجل 30 عاماً بأكثر من 11 نقطة أساس منذ الخميس الماضي، ليصل إلى 6.77% هذا الأسبوع، وفقا لـ "بزنس إنسايدر".
توقعات برفع سعر الفائدة في اجتماع "الفيدرالي"
عقب خطاب كيفن وارش في جاكسون هول الجمعة الماضية، بدأت الأسواق تُرجّح رفع سعر الفائدة في اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي هذا الشهر. وارتفعت هذه التوقعات مجدداً الثلاثاء، لتصل إلى نحو 70% لاحتمال رفع الفائدة قصيرة الأجل بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماع 15 و16 سبتمبر.
كان مايكل بار، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، أحدث مسؤول يشير إلى احتمال رفع الفائدة، إذ قال الثلاثاء إنه سيدعم زيادة أسعار الفائدة إذا لم يتراجع التضخم بما يكفي نحو مستهدف البنك البالغ 2%. وأضاف في ملاحظات معدة مسبقاً أنه إذا بدا أن التضخم لا يتراجع بالقدر الكافي، فينبغي للمجلس التحرك بحسم لرفع أسعار الفائدة.
أما في اليابان، ارتفع عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له منذ 1996. وجاءت الموجة الجديدة من التقلبات بعد تصريحات لوزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، أشارت إلى إمكانية قيام اليابان بمزيد لدعم عملتها، ما أثار مخاوف من احتمال رفع بنك اليابان أسعار الفائدة.
وتراجعت الأسهم الأمريكية بالتزامن مع موجة بيع السندات. إلا أن بعض المحللين يرون أن المستثمرين لا ينبغي أن يشعروا بالقلق المفرط من تراجع سوق السندات، في ظل استمرار قوة الأساسيات التي تدعم الأسهم، مع بقاء الأرباح والنشاط الاقتصادي في مستويات قوية.
قال بروك ويمر، المحلل لدى إدوارد جونز، الثلاثاء: "لا نتوقع أن يؤدي ارتفاع عوائد السندات إلى تعطيل البيئة الإيجابية التي نواصل رؤيتها للأسهم"، مضيفاً أن الشركة توصي المستثمرين بزيادة وزن الأسهم مقارنة بالسندات.
مخاوف من ارتفاع التضخم العالمي وتدهور الأوضاع المالية
ترتبط تحركات السندات الثلاثاء على نطاق واسع بمخاوف من ارتفاع التضخم العالمي وتدهور الأوضاع المالية لدى عديد من الحكومات، التي تعتمد على الاقتراض وتمويل الإنفاق من خلال ارتفاع مستويات الديون والعجز. ففي اليابان، أثارت خطط رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي لتوسيع التحفيز المالي بهدف دعم الاقتصاد مخاوف المستثمرين. وفي أوروبا أيضاً، يخضع ارتفاع الاقتراض والعجز المالي لمراقبة متزايدة، بعد أن أدت سنوات من الأزمات الجيوسياسية إلى زيادة الإنفاق في عديد من الدول.
وفي الولايات المتحدة، عادت الحرب في إيران إلى الواجهة مع تجدد الضربات من الجانبين خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع وأعاد مخاوف استمرار التضخم لفترة أطول. كما أثار إعلان وزير الخزانة سكوت بيسنت الشهر الماضي عن زيادة مشتريات السندات الأمريكية لتهدئة العوائد طويلة الأجل قلق المستثمرين، الذين كانوا يشعرون أصلاً بالقلق من قدرة الحكومة على كبح الاقتراض وتحسين أوضاع المالية العامة.
في الوقت نفسه، يضغط التوسع الكبير في اقتراض الشركات، خصوصاً الشركات التي تمول مشاريع ضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي، على سوق السندات الحكومية. حسب "بزنس إنسايدر" قفز إصدار الشركات الأمريكية ذات التصنيف الائتماني المرتفع هذا العام، ما يوفر للمستثمرين فرصة للتعرض لقطاع استثماري يشهد نشاطاً قوياً، لكنه يرى بعض المستثمرين أنه يزاحم سندات الخزانة الأمريكية.
ووفق بيانات جمعية صناعة الأوراق المالية والأسواق المالية الأمريكية، بلغ إجمالي إصدارات سندات الشركات الأمريكية 1.68 تريليون دولار منذ بداية العام وحتى نهاية يوليو، بزيادة 27% على أساس سنوي. ويتوقع بنك أوف أمريكا أن تصل إصدارات الشركات ذات الدرجة الاستثمارية إلى 190 مليار دولار خلال سبتمبر، ارتفاعاً من 164 مليار دولار في أغسطس.

