الجمعة, 21 أغسطس 2026|7 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

توفي يوم الثلاثاء المصور البرازيلي المسلم هومبيرتو دا سيلفيرا، بعد مسيرة امتدت 40 عامًا في السعودية، وثّق خلالها بعدسته التحولات الاجتماعية والعمرانية والإنسانية في العلا ونجد ومكة والدرعية، وأدى الأمير سلطان بن سلمان، إلى جانب جموع من المصلين، الصلاة عليه في مسجد العذيبة بالدرعية، التي شكّلت إحدى أبرز محطات رحلته.

ولد دا سيلفيرا في 12 يوليو 1954 في بلدة بوكسوريو في ولاية ماتو غروسو البرازيلية، ولم تكن البلد النائية مجرد مسقط رأس عابر بل مختبرًا بصريًا إذ كانت تشتهر بمناجم الألماس والطبيعة البرية والجيولوجية البكر، وبين أشقاؤه الأربعة عُرف الطفل بشغف التجول في المناطق الخالية وقد اعتاد بعد انتهاء يومه الدراسي في المدرسة الابتدائية أن يتجول لأكثر من ساعتين ليتابع ويتأمل قبل أن يعود إلى البيت الذي عثر فيه على كاميرا قديمة التقط بها أول صورة في حياته وهو في سن السادسة من عمره.

تلك الصورة كانت الحدث التأسيسي لطفل عثر على شغفه الحقيقي مبكرًا فصارت هوايته التصوير بالكاميرا البسيطة التي عدّها جواز سفره نحو العالم، وبالفعل بعد أن أنهى دراسته الإعدادية ومجرد أن بلغ السابعة عشرة في 1971 اتخذ قراره بمغادرة البرازيل مدفوعًا بفضول البحث عن هدف لحياته من خلال العدسة فقط، وكانت أولى المحطات هي الولايات المتحدة الأمريكية وتحديدًا نيويورك التي حولته من هاوِ إلى مصور محترف طاف بين ولاياتها ليرصد ملامح الحياة الغربية قبل أن تقوده بوصلة الترحال إلى باريس فتردد على كبرى دور النشر والمجلات العالمية بحثًا عن فرصة وقد وجدها في مجلة "فوغ" الفرنسية والتي منحته فهمًا عميقًا لكيفية التعامل مع الكادر والألوان والظلال وكيف يخاطب العالم بلغة بصرية راقية قبل أن يعود للبرازيل ليلتقى بالأب الروحي له روبرتو مايا.

d335f7a3-b868-4fd1-8ba5-d4183d0125b9

انزع عنك بريق الاستوديوهات المغلقة وزخارف الموضة الأوروبية وحاول اقتناص الظل الطبيعي حتى لو كلفك ذلك ساعات من الانتظار فالمكان له بعده الفلسفي والزمني، دروس تعلمها هومبيرتو من معلمه الجديد روبرتو مايا الذي شكل "العين الثالثة" للشاب العائد من أوروبا آنذاك، ولم تكد تمر سنوات قليلة حتى دعي دا سيلفيرا إلى المملكة وتحديدًا في 1985 للمشاركة في مشروع ومعرض "التوحيد" الذي بدأه الفنان الأمريكي جيرهارد ليبمان في 1982 وكانت فكرته إعداد دراسة بصرية لتوحيد السعودية والحضارات التي مرت بالجزيرة العربية عبر اللوحات، وكانت مهمة هومبيرتو توثيق ذلك بالصور الفوتوغرافية.

قبل تلك اللحظة لم يكن دا سيلفيرا يعرف عن السعودية الكثير لكن حين وطأت قدماه أرضها لأول مرة أدرك على الفور أن كل ما تعلمه من أستاذه "مايا" لم يكن إلا تمهيدًا لتلك الرحلة، إذ وجد نفسه أمام جغرافيا بكر تقف على أعتاب تحول تاريخي فقرر الاستقرار وبدء مشروعه الخاص الذي تمحور حول توثيق تاريخ الحضارة الإنسانية بصريًا عبر موسوعة أو سلسلة من الكتب المصورة تمتد جغرافيًا من الشرق الأوسط وإيران وتركيا وصولًا إلى إيطاليا وكانت السعودية هي البداية الأهم.

bdb390b4-951b-4fea-b4d1-fec3073c2dee

ساعد هومبيرتو أن مشروع التوحيد الذي جاء من أجله أثمر عن تعاون لاحق مع مؤسسة التراث الخيرية تحت إشراف الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز وتلاها عمله الوثائقي البارز في تأريخ مسيرة ملوك المملكة خاصة الملك عبد العزيز الذي خصص له كتابا مستعينًا بالصور والوثائق التاريخية من المكتبات والأرشيفات، كما أرخ للملك سعود والأمير سلطان بن عبد العزيز.

عشق هومبيرتو للمملكة جعله يبدأ في مشروعاته الخاصة بالتوازي مع التزاماته الفنية وكانت البداية مع كتاب "نجد" الذي أراد من خلاله رصد العمارة الطينية التقليدية قبل أن يزحف التحديث عليها وقد بحث عن ممول للمشروع بين عامي 1991 و1992 وحين لم يجد عرض عليه المصور السعودي عادل القريشي أن يكون شريكه في رحلة البحث شريطة أن يعلمه التصوير وهو ما وافق عليه المصور البرازيلي بحسب شهادة القريشي نفسه، وتمكن الاثنان من تنفيذه، كما استطاع أن ينجز في 1994 كتابه الشهير "بدو" الذي تغلغل فيه في صحاري نجد وأطراف الربع الخالي ليرصد حياة أهالي البداية ويقتنص تفاصيل حياتهم اليومية وعلاقتهم بالإبل والصحراء مقدمًا دراسة بصرية فريدة للوجوه والملامح التي كانت تتلاشى متأثرة بالمدنية.

017661fc-d0cb-4376-a78c-572c852f9790

أما المشروع الأهم والذي توج رحلة هومبيرتو دا سيلفيرا في السعودية فهو كتاب "حجر" الذي صدر 2013 واستغرق 12 عامًا قضى خلالها شطرًا كبيرًا في التنقل بين واحات العلا وصخور مدائن صالح ينتظر لساعات طوال تحولات الضوء والظل وتفاعل الشمس مع الصخر التاريخي ليخرج بعمل عكس عظمة وجلالة المكان، كما فتن بأماكن أخرى مثل المسجد الأقصى وبيت المقدس وغيرهم.

يقول عالم الجغرافيا فو توان "إن الإنسان يمنح المكان قيمته ومعناه وفي المقابل يعيد المكان صياغة هوية الإنسان وإحساسه بالوجود"، تلك المقولة انطبقت على دا سيلفير الذي لم يذب في صخور وصحراء المملكة بل في الوجدان السعودي الذي أعاد تشكيل هويته فأسلم في 2024 في خطوة لم تكن مجرد تحول ديني بقدر ما هي تتويج للانتماء الروحي والثقافي لأرض اختار أن يقضي فيها ما تبقى من عمره قبل أن يرحل وسط من أحبهم وأحبوه، تاركًا وراءه صورا تحكي تاريخ المملكة وتحفظ ذاكرتها رغم أنه كان يرفض أن تلتقط له صورة، مرددًا "صوري هي التي تتحدث عني" .

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية