ازداد الاهتمام بالدعوة إلى التخلي عن الدولار في الأوساط الأكاديمية والسياسية الصينية، مع تزايد قلق بكين من إمكانية استخدام الولايات المتحدة عملتها سلاحا اقتصاديا.
تجلى هذا الاهتمام في حجم الأبحاث المنشورة. فقد أظهر بحث أجرته صحيفة "ساوث تشاينا مورنينج بوست" في قاعدة بيانات "المعرفة الوطنية الصينية"، وهي من أكبر قواعد البيانات البحثية الأكاديمية في البلاد، أن عدد الأبحاث المنشورة حول هذا الموضوع قد تضاعف أكثر من مرتين بين عامي 2023-2025 مقارنة بالسنوات الثلاث السابقة.
اكتسب الموضوع زخما مع تفاقم حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي منذ بدء ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الثانية مطلع عام 2025، بعدما شن حربا تجارية عالمية في أبريل، وقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أوائل يناير الماضي، وهدد بالاستحواذ على جرينلاند.
الإجراءات ضد موسكو تحدث أثرا
دعا باحثون صينيون كذلك إلى تسريع تقليص الاعتماد على أصولها من الدولار الأمريكي، ولا سيما بعد أن جمدت الولايات المتحدة وحلفاؤها نحو 300 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي الروسية في 2022.
أظهرت نتائج البحث في قاعدة البيانات أن ما يزيد على نصف الأوراق البحثية حول موضوع التخلي عن الدولرة خلال السنوات الثلاث الماضية قد نشرت في عام 2023 وحده، أي بعد عام واحد من اتخاذ الولايات المتحدة إجراءات ضد موسكو.
ماذا فعلت الصين بشأن الدولار
اتخذت بكين عدة خطوات لتعزيز صفوفها في السنوات الأخيرة، منها تقليص حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية، وتعزيز التعاون مع الأسواق الناشئة، والدعوة إلى إصلاحات في الحوكمة الاقتصادية والمالية الدولية.
كما مضت بكين قدمًا في استراتيجيتها لتدويل اليوان، واشترت كميات قياسية من الذهب، وأطلقت مبادرات للعملات الرقمية.
انضم مستشارو السياسات والباحثون الحكوميون، بمن فيهم العاملون في مراكز الأبحاث الرسمية، إلى النقاش حول التخلي عن أصول الدولار.
وأكد وانج ون، عميد معهد "تشونجيانج" للدراسات المالية في جامعة رنمين الصينية، في مقال نشر في مجلة "ذا ديبلومات" العام الماضي أن بكين تقلل من تعرضها للعقوبات الأحادية الجانب من خلال "إنشاء نظام يبقى فيه الدولار مركزيا، لكنه يستكمل بعملات أخرى".
وأشار إلى سلسلة من التطورات، من بينها نظام المدفوعات المصرفية عبر الحدود، الذي دعم المعاملات في 190 دولة ومنطقة بحلول نهاية عام 2025، علاوة على تزايد تجارة الغاز الطبيعي المسال المقوم باليوان في بورصة شنغهاي للنفط والغاز، واتفاقيات تسوية العملات المحلية الموقعة مع أكثر من 40 دولة.
وكتب وانج: "الصين لم تعد تنتظر لترى ما إذا كانت واشنطن ستنفصل اقتصاديا عنها أم لا، بل تبادر وتتحرك أولا".
الخوف من "ساحة المعركة" الجديدة
عندما تصاعدت الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم إلى مستويات غير مسبوقة في أبريل، سادت مخاوف من أن تتحول التوترات إلى حرب مالية، وأبرز ضرورة التخلي عن الدولار.
في مايو، كتب ليان بينج، رئيس منتدى كبار الاقتصاديين الصينيين، أن العقوبات المالية والإجراءات المضادة قد "تصبح ساحة معركة جديدة" في التنافس الأمريكي الصيني، مع أنه أضاف أن احتمال فرض واشنطن عقوبات مالية شاملة على بكين لا يزال ضعيفا نظرا لحجم اقتصادها ومكانتها العالمية.
وأوضح أن واشنطن قد تتبنى استراتيجية "استهداف كيانات صينية معينة أولا، ثم توسيع نطاق العقوبات تدريجيا لإخراج الصين من نظام الدولار الأمريكي".
مقترحات لتخفيف المخاطر
لتخفيف المخاطر، اقترح أن تزيد بكين ديونها للولايات المتحدة بشكل معتدل مع تقليل حيازاتها من الدولار، دون التخلص من كامل سندات الخزانة الأمريكية، بحجة أن الاحتفاظ بكمية معينة قد يساعد على "كبح جماح سوق السندات الأمريكية ومواجهة عقوبات الولايات المتحدة".
أدى الموقف العدواني الأخير لترمب تجاه جرينلاند إلى زيادة احتمالية تعزيز توجه التخلص من الدولرة.
وأعلن بعض المستثمرين المؤسسيين عن خطط لبيع حيازاتهم أو تقليصها من سندات الخزانة الأمريكية، وسط تكهنات بأن الكتلة الأوروبية قد تستخدم أصول الدولار سلاحا.
في مقاله، اقترح ليان أن بكين يمكن أن تتخذ مجموعة من التدابير الأخرى، مثل تسريع تدويل اليوان، وفتح الأسواق المالية والقطاعات، وضمان حياد أوروبا في حال فرضت واشنطن عقوبات مالية على الصين.

