في زمن ما قبل التصوير الفوتوغرافي وقبل أن تصل أول كاميرا إلى مكة المكرمة كانت المدينة المقدسة أكثر الأماكن التي تشغل المخيلة الأوروبية، خاصة الرسامين والجغرافيين الذين عدوها "مدينة الغموض والسحر" حيث لا يزورها الغرباء والأخبار التي تتسرب عبر الحجاج ضئيلة وبدلًا من محاولة استقصاء الحقيقة لجأو إلى خيالهم فرسموا خرائط خاطئة وقدموا لها أوصافا أقرب إلى الأساطير. بينما توثق دراسة أعدتها الباحثة الفرنسية ماري إليز لمصلحة المدرسة العليا للأساتذة في ليون أن مكة حظيت بنصيب كبير من اهتمام الأوروبيين لدرجة أن هناك ما يشبه الأرشيف الكامل للمدينة لكن كل ما فيه من وحي الخيال فقط.
أسهم في صنع هذا "الأرشيف الوهمي" بشكل رئيسي كتاب رحلات السير جون ماندفيل الذي صدر في القرن الـ14 وفيه قدم "ماندفيل" صورة مبكرة مليئة بالمغالطات عن الشرق الأوسط وفي مقدمتها مكة المكرمة، التي وصفها الكتاب بأنها مدينة مليئة بالذهب والقصور والتماثيل، كما صوّرها مكتظة بالشوارع المصممة على الطراز الأوروبي والأندلسي، وبالنسبة للكعبة الشريفة فهي مكعب ضخم جدًا وفيها مآذن عملاقة، ورغم تلك الأكاذيب لكن شُح المعلومات آنذاك أدى إلى انتشار الكتاب بصورة كبيرة لدرجة أنه شكّل قناعة الأوروبيين ومثقفيها لقرون طويلة.
لم تتغير الصورة كثيرا عند الرحالة الفرنسي جان شاردان الذي ألّف كتاب في القرن الـ17 عن ما أسماه "الشرق الغامض" وسار على النهج نفسه "ماندفيل" حين تحدث عن مكة المكرمة وأضفى عليها صفات أسطورية فوصفها بالمدينة الغنية جدًا والمليئة بالقصور والكنوز كما زعم أنها محمية بقوة "سحرية" وهالات تدور حولها طوال العام لمنع أي غريب أو ردع أي عدوان، ناهيك عن توقفه الطويل أمام فريضة الحج وفشله في فهمها كما أوضحت "إليز" في دراستها الفرنسية.
تلك الكتابات التي أضيف إليها الروايات الشعبية صنعت في النهاية خرافات شكلت قناعة لدى الأوروبيين خاصة الجغرافيين الذين اعتمدوا على ذلك في صنع خرائط للمدينة المقدسة، وأبرز هؤلاء الجغرافي أبراهام أورتيليوس الذي أعد أول أطلس حديث عرفته أوروبا عام 1570 وفيه وضعت مكة في موقع جغرافي غير دقيق وأقرب إلى البحر الأحمر من موقعها الحقيقي ما جعلها تبدو كمدينة ساحلية، كما أن المسافات بينها وبين مدن الحجاز لم تكن أيضًا دقيقة وظل هذا الأطلس مرجع لكثير من العلماء لفترة طويلة.
الرسامون أيضا وضعوا بصمتهم في صنع الأسطورة، مثل الرسام الهولندي أوليفير دابير الذي رسم صورة لمكة المكرمة في كتابه الشهير "وصف إفريقيا في القرن السابع عشر"، والمفارقة أنه لم يزرها واعتمد فقط على الروايات الأوروبية وكتب الرحالة، لذلك جائت لوحته عبارة عن مدينة كبيرة مبانيها ضخمة جدًا ومآذنها هائلة والشوارع واسعة وحجم الكعبة مبالغ فيه وهي أبعد ما تكون عن مكة التي كانت آنذاك مدينة بسيطة وهادئة.
في 1853 بدأت مكة في الانتقال من المدينة الأسطورية إلى الحقيقية وتراجعت الخرائط الوهمية واللوحات الكاذبة وذلك بسبب الرحالة ريتشارد فرانسيس بيرتون الذي تنكر في هيئة طبيب مسلم ودخل المدينة المقدسة ليكشف هويتها، وخلافا لكل من سبقه قدم بيرتون وصفا تفصيليا دقيقا للمدينة والحرم والحج ونقل ما رآه بكل أمانة فظهرت مكة كمدينة تعج بالأسواق والحجاج وحياتها اليومية غنية وأهلها أصحاب ثقافة ويتذوقون الشعر، ورغم صدمة المجتمع الأوروبي من تلك النظرة التي هدمت كل معتقداته لكن الصحف والمجالس العلمية عدّت ذلك إنجازًا استثنائيًا يمكن البناء عليه.
ما كان يكتب في الكتب صار يُرى بالعين على يد المستشرق الهولندي كريستيان هنوك الذي أسلم وزار مكة في 1885 وألتقط لها أقدم صورة فوتوغرافية لتنتهي الرسومات التخيلية وتختفي الأساطير أمام الحقائق التي أبرزتها عدسة "هنوك" الذي لم يكتفي فقط بتصوير الكعبة الشريفة بل صنع في كتابه "مكة" ما يشبه فيلما وثائقيا رصد فيه حياة الناس والأسواق والبيوت القديمة المحاطة بالحرم، كما سجل ملاحظاته عن ما رآه ونتيجة ذلك أصبح يُقاس تاريخ المدينة المقدسة من المنظور الأوروبي بمرحلة ما قبل "هنوك" وما بعده كما تؤكد دراسة أصدرتها جامعة السربون عن جهود المستشرقين في الشرق الأوسط.
أدرك الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود في وقت مبكر أهمية الصورة في توثيق التحولات الكبرى التي شهدتها السعودية، وخاصة مكة المكرمة في عهده، ومع تزايد أعداد الحجاج وتطور وسائل النقل والمواصلات سمح بالتوثيق الفوتوغرافي وتذليل العقبات أمام البعثات الأجنبية، وتدريجيًا بدأ العالم يرى لقطات متحركة لحركة الحجاج والطواف والشعائر الدينية، ونتيجة ذلك بدأ أول أرشيف بصري لمكة التي ترسخت عند أذهان المسلمين لا سيما بعد تحويل الملك المؤسس اسمها رسميًا إلى العاصمة المقدسة على مستوى الإدارة والحكم والدوائر الحكومية في 1924، وبعد قرابة 100 عام شهد خطبة عرفة عام 2022 نحو 219 مليون شخص حول العالم بعد أن حاول الرسامين والجغرافيين الأوروبيين عبر التاريخ من صورة مكة إلى مجتمعاتهم بيد أنها أصبحت اليوم مشهدا حيا في محيط ضيق يجمع القداسة والتاريخ والتقنية بفضل اهتمام وعناية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز.
621 مليون شخص حول العالم تابعوا أو استمعوا إلى خطبة عرفة في 2025، وهو ما بات حدثًا عالميًا يشاهد لحظة بلحظة ويبث عبر منصات رقمية بمختلف اللغات في أرجاء بقاع المسلمين الذين تحولت قبلتهم، لتنتقل العاصمة المقدسة من خرائط ولوحات أسطورية إلى مجرد "فلكلور" دال على شطحات الرسامين والجغرافيين في أوروبا إلى أسطورة أخرى لكن تلك المرة حقيقية، وأصبح السؤال ليس كيف تخيل العالم مكة بل كيف استطاعت مدينة واحدة أن تجمع بين القداسة والتاريخ والتقنية في لحظة واحدة؟ وأن تتحول من مكان لا يعرفه بشر إلّا عبر الأساطير إلى مشهد حي يشاهده مئات الملايين في التوقيت نفسه.



