حين أعلن المركز الوطني للتخصيص عن إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتخصيص، لم يكن بصدد إصدار بيان اعتيادي أو استعراض عابر للأرقام، بل دشّن بذلك مرحلة تنفيذية تعيد تعريف مفهوم الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المملكة، تنقل مشاريع التخصيص والشراكة إلى مرحلة جديدة أكثر تنظيمًا وتركيزًا ونضجًا.
ولا يقتصر هذا التحول على حجم المشاريع فحسب، بل يشمل إعادة تشكيل بنية السوق نفسها؛ فما نشهده من مستهدفات مثل رفع عدد عقود الشراكة إلى أكثر من 220 عقدًا، واستقطاب استثمارات رأسمالية تتجاوز 240 مليار ريال، يعني أن المملكة تتجه بخطى ثابتة لتكون من أكبر أسواق الشراكات وأكثرها جاذبية في المنطقة، من حيث عدد الفرص الاستثمارية وجودتها، بالإضافة إلى نضج البيئة التنظيمية فيها ووضوح مساراتها.
وبلغة الأرقام، حققت مشاريع التخصيص نجاحات ملموسة، فمنذ تأسيس المركز الوطني للتخصيص في عام 2017م، تم إغلاق نحو 90 عقد تخصيص وشراكة بإجمالي استثمارات تجاوز 180 مليار ريال سعودي في عدة قطاعات مستهدفة بالتخصيص، إلى جانب تحقيق أكثر من 20 مليار ريال سعودي كقيمة مالية تعزز كفاءة الإنفاق الحكومي من خلال مشاريع التخصيص والشراكة.
وكان لنجاح هذه الشراكات أثر واضح شمل العديد من القطاعات الحيوية؛ ففي قطاع المياه، تمكن القطاع من تنفيذ عدة عقود شملت محطات التحلية، ونقلِ المياه، ومعالجةِ الصرفِ الصحي، بالإضافة إلى مشروعِ الخزن الاستراتيجي مما يُرسخُ مكانة المملكةِ كنموذجٍ عالميٍّ في إدارةِ المواردِ المائيةِ بكفاءة واستدامةٍ.
أما في النقل والخدمات اللوجستية، تم إغلاق 21 عقدًا نوعيًا شملت الموانئ البحرية والجافة، وتطوير صالات المطارات، وخدماتِ الشحنِ الجويِّ مما يهدف إلى تطوير البنية التحتية في منظومة النقل ورفعِ كفاءةِ الربطِ بين مدن المملكة والعالم، بأسلوب احترافي يضمن استدامة النموِ ويعزز مكانة المملكة اقليميا ودوليا كقلب نابضٍ للتجارة. وفي قطاع الرياضة تم نقل ملكية سبعة أندية رياضية في مناطق مختلفة من المملكة لصالح مستثمرين محليين ودوليين، وأسهم هذا الحراك الاستثماري في تعزيز التنافسية وتطوير البنية التحتية الرياضية.
وفي ضوء هذه التطورات، يمكن اعتبار الاستراتيجية الوطنية للتخصيص خارطة استثمار تعيد صياغة مفهوم الشراكة مع القطاع الخاص في المملكة، وتؤسس لمرحلة جيدة تُدار فيها الأصول العامة بمنطق المحفظة الوطنية المنظمة. ويستفيد هذا التحول من الاستقرار الجيوسياسي الذي تنعم به المملكة، ومن مكانتها الاقتصادية المتنامية كمركز إقليمي جاذب لرؤوس الأموال، مما يفتح آفاقا واسعة أمام المستثمرين المحليين والدوليين ضمن بيئة تنظيمية واضحة وآمنة تكفل حقوق الأطراف وتدعم مستهدفات التنمية المستدامة وفق رؤية السعودية 2030.
Ad
