الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

تتجه العلاقات الاقتصادية السعودية الهندية إلى مرحلة أكثر تنوعاً، مع بروز الموانئ والخدمات اللوجستية والاستثمارات البحرية ضمن المسارات الواعدة لتوسيع الشراكة الإستراتيجية بين البلدين، مستفيدة من قاعدة تجارية تتجاوز 41 مليار دولار وفق بيانات 2025، وعلاقات اقتصادية تطورت خلال العقدين الماضيين من التعاون في الطاقة إلى مجالات الاستثمار والصناعة والتقنية والبنية التحتية.

بحسب بيان وزارة الموانئ والشحن والممرات المائية الهندية حصلت "الاقتصادية" على نسخة منه فإن المباحثات التي أجراها سليمان المزروع، رئيس الهيئة العامة للموانئ السعودية «موانئ»، مع وزير الموانئ والشحن والممرات المائية الهندي سارباناندا سونوال، على هامش مؤتمر «Sagarmanthan 2026» أمس في نيودلهي، تعكس اهتماماً متبادلاً بتعزيز التعاون البحري، وتوسيع فرص الاستثمار في الموانئ، وتطوير القدرات البشرية، وبحث مجالات التعاون في الطاقة البحرية.

وقال تقرير صدر بهذه المناسبة إن هذه المباحثات تكتسب أهمية اقتصادية بالنظر إلى الدور المحوري للنقل البحري في حركة التجارة بين البلدين، إذ يمكن لتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية أن يدعم كفاءة تدفقات السلع، ويوسع فرص الشركات في مجالات التشغيل والمناولة والتخزين والخدمات البحرية، فضلاً عن فتح مجالات استثمارية جديدة أمام القطاع الخاص.

وتأتي هذه التطورات امتداداً لشراكة إستراتيجية تشمل التجارة والطاقة والاستثمار والتقنية، وتستند إلى آليات حكومية مشتركة تسعى إلى توسيع التعاون وتحويل العلاقات الثنائية إلى مشروعات أكثر تنوعاً واستدامة.

5 مليارات دولار حجم التجارة السعودية الهندية

أشار التقرير إلى أن التجارة الثنائية تشكل أحد أهم محركات توسيع الشراكة البحرية، إذ بلغت الصادرات السعودية إلى الهند نحو 109.9 مليار ريال خلال 2025، مقابل واردات من الهند بقيمة 45.6 مليار ريال، وفق البيانات الإحصائية المستخدمة في هذا التقرير.وبذلك يصل إجمالي التجارة السلعية بين البلدين إلى نحو 155.5 مليار ريال، بما يعادل نحو 41.5 مليار دولار، وهو ما يعكس الأهمية المتزايدة للسوق الهندية بالنسبة إلى التجارة الخارجية السعودية.

وتتركز الصادرات السعودية بدرجة كبيرة في النفط والمنتجات المعدنية المرتبطة بالطاقة، إلى جانب منتجات أخرى تشمل الأسمدة والمواد البلاستيكية. وفي المقابل، تشمل الواردات من الهند منتجات صناعية ومركبات وحبوباً وسلعاً متنوعة تخدم احتياجات السوق السعودية.

ويمنح هذا التنوع في حركة التجارة أهمية إضافية لتطوير الخدمات البحرية، لأن نقل الطاقة والمواد الخام والمنتجات الصناعية يتطلب شبكة فعالة من الموانئ وخطوط الشحن ومرافق التخزين والخدمات اللوجستية.

كما أن نمو التجارة المستقبلية يمكن أن يرفع الطلب على خدمات المناولة والتخزين والتوزيع وإعادة التصدير، بما يتيح فرصاً للشركات العاملة في القطاع البحري، شريطة توافر الطاقة التشغيلية المناسبة واستمرار الطلب التجاري.

من الطاقة إلى الاستثمار والتقنية

وصف التقرير بأنه لم تعد العلاقات الاقتصادية السعودية الهندية تقتصر على التجارة في النفط والمنتجات الصناعية، بل توسعت لتشمل الاستثمار والتقنية والصحة والصناعة والبنية التحتية.

وتعود إحدى المحطات الرئيسية في هذا المسار إلى إعلان دلهي 2006، ثم إعلان الرياض 2010، اللذان عززا التعاون في مجال الطاقة وأكدا أهمية بناء شراكة إستراتيجية قائمة على تكامل المصالح الاقتصادية.

وفي أكتوبر 2019، أُنشئ مجلس الشراكة الإستراتيجية السعودي الهندي ليكون إطاراً مؤسسياً لتطوير التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية.

وشهد الاجتماع الأول لقادة المجلس في سبتمبر 2023 توقيع 8 مذكرات تفاهم في مجالات شملت الطاقة وتقنية المعلومات والاستثمارات وتحلية المياه وتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، كما شهد منتدى الاستثمار السعودي الهندي المصاحب توقيع أكثر من 50 مذكرة تفاهم بين جهات حكومية وشركات من البلدين.

وفي 22 أبريل 2025، عقد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الاجتماع الثاني للمجلس في جدة، وقرر الجانبان توسيع هيكله ليشمل لجاناً وزارية إضافية للتعاون الدفاعي والسياحي والثقافي، إلى جانب إضافة مجموعة عمل مشتركة للتجارة ضمن لجنة الاقتصاد والطاقة والاستثمار والتقنية.

وتوفر هذه الآليات أساساً لتنسيق الأولويات الاقتصادية، ويمكن الاستفادة منها في متابعة فرص الاستثمار البحري واللوجستي وربطها بالاحتياجات التجارية والصناعية للبلدين.

الموانئ والخدمات اللوجستية .. الفرصة الاستثمارية الأبرز

شدد التقرير على أن الجغرافيا البحرية السعودية والهندية تمنح البلدين فرصاً لتطوير روابط اقتصادية أوسع؛ فالموانئ السعودية على البحر الأحمر والخليج العربي تؤدي دوراً مهماً في ربط الأسواق الآسيوية والأوروبية والأفريقية، فيما تمثل الموانئ الهندية بوابات رئيسية لاقتصاد صناعي وتجاري واسع.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن تتوسع الشراكة لتشمل تطوير وتشغيل المحطات المينائية، والخدمات اللوجستية المتكاملة، والتخزين، والمناطق الصناعية المرتبطة بالموانئ، وخدمات الشحن والتوزيع.

كما تتيح المشروعات المرتبطة بالموانئ فرصاً للتعاون بين الشركات السعودية والهندية في مجالات التشغيل والصيانة والهندسة البحرية وإدارة سلاسل الإمداد، فضلاً عن التقنيات المستخدمة في تحسين كفاءة المناولة وتسريع الإجراءات.

وتتوقف الجدوى الاستثمارية لهذه المجالات على حجم حركة البضائع، والطاقة الاستيعابية للموانئ، وشروط التمويل والتشغيل، والأطر التنظيمية، ومدى قدرة المشروعات على تحقيق عوائد تجارية مستدامة.

ولذلك، فإن الأثر الاقتصادي الأهم للمباحثات الحالية يتمثل في إمكانية الانتقال من التعاون في نقل البضائع إلى الاستثمار في البنية التحتية والخدمات التي تدعم حركة التجارة نفسها.

بناء السفن والطاقة البحرية وتأهيل الكوادر

ذكرت التقرير أن التعاون في بناء السفن وتأهيل البحارة يمثل أحد المجالات التي يمكن أن توسع نطاق الشراكة السعودية الهندية، من الخدمات اللوجستية إلى الصناعات والخبرات البحرية.

ويتيح تبادل الخبرات الفنية والتدريبية فرصة لتطوير المهارات المطلوبة في تشغيل الموانئ وإدارة الخدمات البحرية، كما يمكن أن يفتح المجال أمام تعاون في الصيانة والهندسة البحرية وسلاسل توريد المعدات.

أما الطاقة البحرية، فيمكن أن تشكل مجالاً إضافياً للتعاون في تطوير الخدمات المرتبطة بقطاع الطاقة، ورفع كفاءة العمليات البحرية، ودراسة حلول تقلل استهلاك الوقود والانبعاثات.

وتزداد أهمية هذه المجالات مع التحولات التي يشهدها قطاع النقل البحري عالمياً، والاتجاه نحو رفع الكفاءة التشغيلية وتطوير التقنيات المستدامة. غير أن تحويل هذه الفرص إلى مشروعات فعلية يتطلب اتفاقات تنفيذية تحدد نطاق التعاون وحجمه والجهات المشاركة فيه.

التقنية والذكاء الاصطناعي في خدمة الموانئ

يمكن أن يمتد التعاون السعودي الهندي إلى الحلول الرقمية التي تسهم في تطوير أداء الموانئ وتحسين إدارة حركة البضائع.

وتشمل الفرص المحتملة أتمتة الإجراءات المينائية، وتبادل البيانات إلكترونياً، وتحسين إدارة الحاويات، واستخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالطلب والصيانة وإدارة المخزون، إلى جانب تطوير أنظمة تتبع الشحنات وتعزيز كفاءة الخدمات اللوجستية.

ويستند هذا المسار إلى وجود التقنية ضمن مجالات التعاون التي يتناولها مجلس الشراكة الاستراتيجية، وإلى الحاجة المتزايدة إلى حلول رقمية ترفع كفاءة سلاسل الإمداد.

ومن شأن تطوير هذه الحلول، إذا أُبرمت بشأنها اتفاقات ومشروعات محددة، أن يدعم الإنتاجية ويعزز موثوقية الخدمات البحرية، ويفتح فرصاً أمام شركات التقنية والخدمات اللوجستية في البلدين.

من مذكرات التفاهم إلى الاستثمارات المنفذة

وطبقا للتقرير فإن متابعة حجم الاستثمارات المنفذة، وقيمة العقود الموقعة، وعدد المشروعات التي دخلت مرحلة التنفيذ، ستوفر مؤشرات أكثر دقة على مدى تقدم الشراكة الاقتصادية بين البلدين.

ويمكن أن تسهم آليات التنسيق المشتركة في تحديد أولويات الاستثمار، وتسهيل التواصل بين الشركات، ومعالجة التحديات التنظيمية واللوجستية، بما يدعم تطوير مشروعات تخدم التجارة الثنائية والأسواق الإقليمية.

شراكة مرشحة لمزيد من التكامل

تملك السعودية والهند مقومات اقتصادية وجغرافية وتجارية تدعم توسيع التعاون البحري خلال السنوات المقبلة. فالسعودية تسعى إلى تعزيز موقعها مركزاً لوجستياً يربط 3 قارات، فيما تمتلك الهند قاعدة صناعية وتجارية كبيرة واحتياجات متنامية لخدمات النقل والبنية التحتية.

ويمكن لتكامل هذه المقومات أن يفتح المجال أمام فرص في تشغيل الموانئ، والخدمات البحرية، والتخزين وإعادة التصدير، والتقنيات الرقمية، وبناء السفن وتأهيل الكوادر.

لكن تحقيق هذه الإمكانات سيظل مرتبطاً بمدى تقدم المباحثات إلى اتفاقات استثمارية محددة، وقدرة المشروعات على تحقيق عوائد اقتصادية، ومدى انعكاسها على نمو التجارة وكفاءة الخدمات اللوجستية.

وفي المحصلة، تمثل الشراكة البحرية السعودية الهندية امتداداً لمسار اقتصادي أوسع يتجه نحو تنويع مجالات التعاون، وتوسيع دور الاستثمار في دعم التجارة. ومع وجود قاعدة تجارية تتجاوز 41 مليار دولار وفق بيانات 2025، فإن تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية يمكن أن يشكل أحد المسارات المهمة لتعزيز الترابط الاقتصادي بين البلدين، متى ما تحولت الفرص المطروحة إلى مشروعات ملموسة ونتائج قابلة للقياس.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية