يقول ماركوس هولمز أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كامبريدج في كتابه "الدبلوماسية المباشرة": إن كل ظهور رسمي للزعماء والملوك ليس مجرد مراسم تقليدية، بل هو أداة تواصل سياسي مقصودة تُصاغ بعناية لتعكس الرؤى الاستراتيجية للدولة، وتوجّه الرسائل للداخل والخارج في آنٍ واحد، كونها تتمثل في عناصر بصرية كطريقة الجلوس وتحية الضيوف وحركة اليدين وحتى التحف والصور على الجدران تستخدم وسيلة لتمرير رسائل سياسية غير مباشرة في مشهد يجسد المقولة العربية الشهيرة: "العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة!".
قبل أيام استقبل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون في مكتبه في قصر اليمامة في الرياض، وفي الصورة الرسمية للقاء ظهرت الخلفية عبارة عن حائط مزين بالأشجار والنباتات الخضراء المنسقة بعناية، ووفقًا للباحث موراي إديلمان في كتابه "الاستخدامات الرمزية السياسية" فإن العناصر الطبيعية وعلى رأسها النباتات واللون الأخضر تستخدم دبلوماسيًا لإضفاء أجواء من الود والهدوء كما ترمز إلى متانة العلاقات ووجود أرضية مشتركة بين أطراف اللقاء، وعلى مستوى الرسائل فيحيل اللون الأخضر إلى مفاهيم التنمية والتحديث والتطلع إلى المستقبل وهي العناوين التي تعمل المملكة على ترسيخها منذ سنوات عبر مبادرتي الرياض الخضراء والشرق الأوسط الأخضر، وليس من المصادفة أن تحرص المنتديات الكبرى مثل دافوس و"جي 20" ومؤتمرات المناخ على توظيف الخلفيات الخضراء بوصفها لغة بصرية للتعاون والعمل المشترك.
"دبلوماسية الصور" ليست نهجًا حديثًا تبناه ولي العهد بل علم أسس له الملك عبد العزيز آل سعود، حين أدرك مبكرًا وقبل أن يضع موراي إديلمان تنظيره الأكاديمي أن الصورة ليست مجرد مظهر بل نافذة للرسائل ومعبر للإشارات، هذا المعنى التقطه المصور الأمريكي روبرت لاندي الذي وثق لحظة حوار الملك المؤسس مع الصحفي نويل بوش في صورة تصدرت غلاف مجلة "لايف" الأمريكية في مايو 1943 وظهر فيها الملك عبد العزيز ممسكًا بعصاه وجالسًا في وضعية وصفها "لاندي" بأنها دِلالة الثقة والإنجاز، وهو ما دفع المجلة إلى اختيار عنوان "ملك صنع مملكة" بوصفه التعبير الأدق عن الصورة ورسالتها.

في عهد الملك سلمان تحولت الصور إلى بصمة رئيسية في الدبلوماسية السعودية وظهر ذلك في 2020 أثناء جائحة كورونا، حيث الدول تتكبد خسائر غير مسبوقة والجميع خائف من مصير مجهول، آنذاك اختار الملك سلمان أن تكون خلفية ظهوره في كلمته الافتتاحية في قمة العشرين الافتراضية صورة الملك عبد العزيز آل سعود وقد "لف الشماغ" حول رأسه بطريقة غير مألوفة إعلاميًا، ما أثار وقتها التساؤلات، وأوضح مركز الاتصال والإعلام الجديد التابع لوزارة الخارجية السعودية أن تلك الصورة ترمز إلى "القوة والعزم والانتصار" وطريقة "لف الشماغ" هذه استخدمها السعوديون قديمًا لإظهار أقصى درجات الجاهزية والاستعداد لإنجاز المهام الشاقة، وهي الرسالة التي أرادها الملك سلمان وقت الجائحة ليطمئن العالم أن المملكة جاهزة وستنتصر.

تختلف الصور والخلفيات حسب المناسبة والضيف والرسالة المراد إيصالها، قاعدة طبقت في أول زيارة خارجية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب للمملكة 2017 إذ شارك أثناء الزيارة في رقصة العرضة السعودية ووقف بجوار الملك سلمان يرقص على كلمات "نحمد الله جت على ما نتمنى" ووسط أصوات الطبول ولمعان السيوف تصدرت صورة الرقصة وسائل الإعلام الدولية التي اعتبرتها رسالة دبلوماسية غير لفظية، فمن ناحية تعطي دلالة سيادة المملكة وتراثها العريق ومن ناحية أخرى ترمز إلى تحالف عنوانه القوة والثقافة، وهو ما دفع صحيفة الجارديان البريطانية لوصف الصورة بـ"إعادة تعريف" للعلاقات بين الرياض وواشنطن.

منذ اللحظة الأولى أثبت ولي العهد أن "الدبلوماسية السلمانية" خاصة العناصر البصرية سيكون لها دور كبير فيما تريد المملكة قوله دون حديث وباتت الصور وحدها مرآة للأحداث مثلما حدث في أول لقاء جمع بين الأمير محمد بن سلمان وجاريد كوشنر كبير مستشاري البيت الأبيض أثناء جولة ولي العهد في الولايات المتحدة 2018، آنذاك كانت خلفية المقابلة هي الصورة التاريخية للملك عبد العزيز آل سعود مع الرئيس الأمريكي روزفلت 1945 التي اتخذت على ظهر السفينة "كوينسي" في قناة السويس وعدت بمنزلة تأريخ للعلاقة بين البلدين، وبحسب دبلوماسيين فاختيار تلك الصورة بالتحديد كان لمحة دبلوماسية ذكية لأنها أوصلت رسالة واضحة أن العلاقات بين البلدين عريقة ومتجددة كما حملت رسالة أن الأمير محمد بن سلمان هو امتداد لنهج الملك المؤسس.

أما حفاوة ولي العهد قبل أيام بالعالم السعودي عمر ياغي الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 2025 فقد بدت عناصر الصورة الجدارية وهي تظهر قصر سلوى التاريخي الأثري الذي تأسس في الدولة السعودية الأولى على يد الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود. القصر الأثري الذي تأسس قبل ما يناهز 300 عام يراه "إيدلمان" أحد رموز العلاقات العامة بأن اللوحة ليست مجرد ديكور، بل رسائل كثيرة، فغياب الحواجز بين طرفي اللقاء يعكس شراكة حقيقية بين العلم ورمز الدولة كما أن العنصر التراثي داخل حوار علمي هو رغبة في وصل الماضي بالحاضر.

لم يكن من قبيل الصدفة أن اليوم الذي تحدث فيه الملك سلمان عن محورية القضية الفلسطينية يوم مجلس الوزراء، هو ذات اليوم الذي اختار فيه الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي أن تكون صورة قُبّة الصخرة بالمسجد الأقصى خلفية لقائه مع سالم باسمير مدير ميناء المكلا منذ أسابيع، كون ثبات الرموز البصرية في تلك اللحظة امتداد لنهج رسخه الملك المؤسس وتحول خلال السنوات الماضية إلى علامة فارقة في الدبلوماسية السعودية التي باتت تقول بالصورة ما لا يحتاج إلى بيان وتختصر حكمة العرب قديمًا "فما حاجة القول إن بان القصد؟".




