تشهد العقود التجارية في الخليج اتجاها متزايدا لدى الشركات لإعادة صياغة الاتفاقيات بما يعكس بيئة تشغيلية أكثر تقلبا، في ظل التوترات الجيوسياسية التي أعادت تعريف مفهوم المخاطر في المنطقة.
وبحسب مختصين في القانون التجاري وسلاسل الإمداد تحدثوا لـ"الاقتصادية"، بدأت شركات في قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والخدمات اللوجستية والتجزئة بإدخال ما يمكن وصفه بـ"البنود المرنة"، التي تمنح الأطراف مساحة أوسع لإعادة التفاوض أو تعديل شروط التنفيذ عند حدوث اضطرابات في الإمداد أو النقل.
وتشمل هذه التعديلات إدراج آليات إعادة تسعير تلقائية مرتبطة بتكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب توسيع نطاق بنود القوة القاهرة لتشمل حالات لم تكن تدرج سابقا مثل تعطل الممرات البحرية أو ارتفاع المخاطر الأمنية، فضلا عن إضافة شروط تسمح بتغيير جداول التسليم دون فرض غرامات مباشرة.
وقال مساعد الرشيدي المستشار القانوني والخبير بالقانون التجاري، إن اتجاه الشركات الخليجية إلى إدراج ما يعرف بالبنود المرنة في العقود التجارية يمثل تطورا قانونيا منطقيا، خاصة في ظل اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكلفة النقل والتأمين، وذلك بما يسمح بوضع آليات إعادة تسعير تلقائية مرتبطة بتكاليف الشحن والتأمين، بجانب توسيع نطاق بنود القوة القاهرة لتشمل حالات لم تكن تدرج سابقا مثل تعطل الممرات البحرية أو ارتفاع المخاطر الأمنية، وإضافة شروط تسمح بتغيير جداول التسليم دون فرض غرامات مباشرة. حيث لم تعد العقود الحديثة وثيقة جامدة، بل أداة لإدارة المخاطر وتوزيعها بعدالة بين الأطراف بما يعكس انتقالا من منطق الإلزام الصارم إلى منطق التوازن العقدي وحماية استمرارية العلاقة التجارية.
وأضاف الرشيدي غير أن هذه المرونة رغم أهميتها، يجب ألا تصاغ بعبارات فضفاضة تفتح باب النزاع بدل الحد منه، إذ كل بند مرن يجب وضع معايير واضحة لوقت تفعيله، وكيفية تثبيت سبب التعديل، ومن يملك حق طلب إعادة التفاوض، وما المدة الزمنية لذلك، وما أثر فشل التفاوض، مشيرا إلى أن القيمة القانونية الحقيقية ليست في مجرد المرونة، بل في صياغتها المنضبطة التي تحقق اليقين، وتمنع التعسف، وتحفظ استقرار التعاقد.
وتشير تقديرات قانونيين إلى أن نحو 30 إلى 40% من العقود الجديدة في بعض القطاعات الحيوية باتت تتضمن صيغا أكثر مرونة مقارنة بالسنوات السابقة، في حين بدأت بعض الشركات مراجعة عقود قائمة بالفعل لإعادة التفاوض على بنودها بما يتماشى مع الواقع الجديد.
في المقابل، ظهرت ممارسات تعاقدية أقل وضوحا، حيث تلجأ بعض الأطراف إلى تضمين ملاحق غير معلنة أو تفاهمات موازية تتيح تعديل الالتزامات بشكل غير مباشر، وهو ما يفسر وصف هذه المرحلة بـ"العقود ذات الوجهين"، حيث يختلف التطبيق الفعلي أحيانا عن النص الظاهر.
ويقول محمد الكواري مستشار قانوني خليجي إن هذا التحول يعكس انتقال الشركات من نموذج "الالتزام الصارم" إلى نموذج "الالتزام المشروط"، الذي يوازن بين تنفيذ العقود والحفاظ على استمرارية الأعمال، خصوصا في القطاعات التي تعتمد على سلاسل إمداد دولية معقدة.
ولم تعد الشركات تسعى إلى تقليل التكاليف، إنما إلى شراء المرونة، حتى لو أدى ذلك إلى رفع تكلفة التعاقد بنسبة تتراوح بين 5 و10% في بعض الحالات، نتيجة إدراج بنود تحوطية أو توزيع المخاطر بين الأطراف.
ويرى مختصون أن هذا التوجه قد يعيد تشكيل بيئة الأعمال في الخليج على المدى المتوسط، حيث ستصبح العقود أكثر تعقيدا، لكنها في الوقت ذاته أكثر قدرة على التكيف مع الصدمات، ما يقلل من احتمالات التعثر أو النزاعات القانونية الكبيرة.



