قال السفير الهندي لدى السعودية، السيد فيبول، إن العلاقات الاقتصادية بين الهند ودول الخليج تشهد نموا متواصلا، مشيراً إلى أن حجم التجارة بين الجانبين بلغ 178.66 مليار دولار خلال السنة المالية 2025-2026.
جاء ذلك في تعليق للسفير لـ"الاقتصادية" حول الاجتماع الوزاري لترويكا الهند ومجلس التعاون الخليجي الذي عقد أمس في مدينة نيورك على هامش انعقاد اجتماع الجمعية العمومية للامم المتحدة.
وذكر أن التقدم المحرز في إطار خطة العمل المشتركة وإطلاق مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين، يعكسان "طموحا مشتركا للارتقاء بالعلاقات إلى مستوى جديد"، بما يوسع فرص التجارة والاستثمار والربط والتعاون في مجال التكنولوجيا.
أضاف، أن اتفاقية التجارة الحرة بين الهند ودول الخليج عند إتمامها، يمكن أن توفر إطارا أقوى للشركات والقطاع العام على الجانبين لتنويع التجارة وتوسيع الاستثمارات وبناء سلاسل إمداد أكثر قدرة على الصمود.
من الطاقة والأسمدة إلى قطاعات المستقبل
ويرى السفير الهندي أن الاتفاقية المرتقبة يمكن أن تسهم في توسيع نطاق التعاون الاقتصادي إلى ما هو أبعد من القطاعات التقليدية، وفي مقدمتها الطاقة والأسمدة، لتشمل مجالات التكنولوجيا والصناعات المتقدمة.
أوضح أن الاتفاقية يمكن أن تولد فرصا جديدة في قطاعات ناشئة، من بينها الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والتصنيع المتقدم، بما يعكس تحولاً تدريجياً في طبيعة الشراكة الاقتصادية بين الهند ودول الخليج.
ويأتي هذا التوجه في وقت يسعى فيه الجانبان إلى تنويع العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، بالتوازي مع استمرار أهمية الطاقة والتجارة التقليدية في العلاقة، والاستفادة من الموقع الجغرافي للخليج والهند لبناء شبكات إمداد أكثر ترابطا ومرونة.
66 مليار دولار قاعدة للتوسع
ويمنح حجم التجارة الحالي، البالغ 178.66 مليار دولار، قاعدة واسعة لتطوير العلاقات التجارية والاستثمارية، فيما يمكن لاتفاقية التجارة الحرة، إذا تم التوصل إليها، أن توفر إطارا مؤسسيا أوسع أمام الشركات لتعزيز حضورها في أسواق الجانبين.
كما تتقاطع القطاعات التي أشار إليها السفير مع مسارات التحول الاقتصادي في دول الخليج، خصوصا في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والصناعات التقنية والتصنيع المتقدم والطاقة النظيفة، إلى جانب توجه الهند لتوسيع قدراتها الصناعية والتكنولوجية وتعزيز حضورها في سلاسل القيمة العالمية.
ويعكس ذلك انتقال أجندة التعاون الهندي الخليجي من التركيز التقليدي على الطاقة والتجارة والعمالة إلى شراكة أكثر تنوعا تشمل التكنولوجيا والاستثمار والصناعات المستقبلية وسلاسل الإمداد، وهو ما يمنح مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة أهمية تتجاوز تحرير حركة السلع إلى إعادة تشكيل طبيعة العلاقات الاقتصادية بين الجانبين.
ودخلت العلاقات بين الهند ودول الخليج مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والاستراتيجي، مع تأكيد الجانبين المضي في تنفيذ خطة العمل المشتركة 2024-2028، والترحيب بانطلاق مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين.
وجاء ذلك خلال الاجتماع الوزاري لترويكا الهند ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي عقد في نيويورك في 25 سبتمبر 2026، على هامش أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، بمشاركة وزير الخارجية الهندي إس. جايشانكار، ووزير الخارجية البحريني عبداللطيف بن راشد الزياني، والأمين العام لمجلس التعاون جاسم محمد البديوي، ووزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل بن أحمد الجبير، إلى جانب مسؤولين ووزراء من عدد من دول المجلس.
ويكتسب الاجتماع أهمية اقتصادية خاصة في ظل اتساع العلاقات التجارية والاستثمارية بين الجانبين، وتوجههما نحو تحويل العلاقات التقليدية القائمة على التجارة والطاقة والجاليات إلى شراكة أكثر تنوعاً تشمل الاستثمار والتكنولوجيا والصحة والأمن الغذائي والنقل والطاقة النظيفة.
66 مليار دولار.. التجارة في صدارة العلاقة
وأبرز الاجتماع الوزن المتزايد للعلاقات الاقتصادية، إذ بلغ إجمالي التجارة بين الهند ودول مجلس التعاون 178.66 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026، وهو ما يعكس حجم الاعتماد المتبادل بين أحد أكبر الاقتصادات الآسيوية ومنطقة الخليج.
ولا تقتصر العلاقة على تجارة السلع والطاقة، إذ أصبحت الاستثمارات والخدمات والتكنولوجيا والصحة والتعليم والثقافة جزءا متزايدا من أجندة التعاون.
كما تمثل الجالية الهندية الكبيرة في دول مجلس التعاون أحد أهم الروابط البشرية والاقتصادية بين الجانبين، فيما أكد الاجتماع أهمية مواصلة تعزيز هذه الروابط من خلال الفنون والتراث واليوغا والموسيقى والسينما والأدب.
اتفاقية التجارة الحرة .. نقطة التحول الأبرز
ويبدو أن مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الهند ومجلس التعاون تمثل التطور الاقتصادي الأبرز في مسار العلاقة خلال المرحلة الحالية.
ورحب الجانبان بإطلاق المفاوضات بعد استكمال الشروط المرجعية في فبراير 2026، مع التأكيد على أن الاتفاقية، في حال إتمامها، يمكن أن توفر إطاراً أوسع لتسهيل التجارة وتنويع الصادرات وتعزيز التكامل الاقتصادي.
وتكتسب المفاوضات أهمية خاصة بالنظر إلى حجم التجارة الحالي البالغ نحو 178.7 مليار دولار، إذ يمكن لتقليص الحواجز التجارية وتسهيل حركة السلع والخدمات والاستثمارات أن يفتح المجال أمام زيادة حجم المبادلات وتوسيع قاعدة المنتجات والشركات المستفيدة من السوقين.
وتأتي هذه الخطوة في إطار خطة العمل المشتركة بين الهند ومجلس التعاون للفترة 2024-2028، التي تغطي التجارة والاستثمار والزراعة والأمن الغذائي والنقل والطاقة والصحة والتعليم والثقافة، إلى جانب الحوار السياسي والأمني.
من النفط والأسمدة إلى الطاقة النظيفة
ولم تعد الطاقة بالنسبة للعلاقة الهندية الخليجية مقتصرة على النفط والغاز، إذ أكد الاجتماع أهمية توسيع الشراكة لتشمل الطاقة المتجددة والوقود الحيوي والتقنيات الخضراء.
أشار وزير الخارجية الهندي دول مجلس التعاون إلى استمرار إمدادات الطاقة والأسمدة خلال الاضطرابات الأخيرة التي أثرت في طرق التجارة في غرب آسيا.
وتعكس هذه النقطة أهمية الخليج بالنسبة لأمن الطاقة والغذاء الهندي، وفي الوقت نفسه أهمية السوق الهندية بالنسبة للمنتجين الخليجيين، خصوصا في ظل اضطرابات الملاحة وارتفاع تكاليف النقل التي أصبحت تؤثر في سلاسل الإمداد والأسعار العالمية.
وكان الأمين العام لمجلس التعاون قد حذر في اجتماع بنيويورك في 24 سبتمبر من تداعيات اضطرابات الملاحة وارتفاع تكاليف الشحن على أسعار السلع والغذاء وسلاسل الإمداد.
التكنولوجيا والاستثمار.. المسار الجديد
وتوفر خطة العمل المشتركة مساحة واسعة أمام انتقال العلاقات إلى قطاعات أكثر ارتباطاً بالاقتصاد المستقبلي، خصوصا التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة والصحة والأمن الغذائي والنقل.
ومن شأن اتفاقية التجارة الحرة، إذا اكتملت، أن تمنح الشركات الهندية والخليجية إطارا أكثر وضوحاً للتوسع في الأسواق، فيما يمكن أن تشكل الاستثمارات المشتركة أداة لزيادة القيمة المضافة بدلاً من اقتصار العلاقات على تجارة السلع الأولية.
وهنا تبرز فرصة للتعاون في مجالات مثل التقنيات الرقمية، الذكاء الاصطناعي، الخدمات المالية، التكنولوجيا الصحية، الصناعات الدوائية، اللوجستيات، الأمن الغذائي والطاقة المتجددة، وهي قطاعات تتقاطع مع خطط التنويع الاقتصادي في دول الخليج ومع مسار التحول الاقتصادي والتكنولوجي في الهند.
اضطرابات المنطقة تضيف بُعداً استراتيجياً
ولم تكن المناقشات الاقتصادية منفصلة عن التطورات الجيوسياسية، إذ بحث الوزراء الوضع في غرب آسيا والتحديات التي تواجه حركة الشحن التجاري في الممرات المائية الدولية.
ويكتسب هذا الملف أهمية اقتصادية مباشرة للهند ودول الخليج، نظرا إلى اعتماد التجارة بين آسيا والخليج على ممرات بحرية استراتيجية، فيما يؤدي أي اضطراب فيها إلى زيادة تكاليف التأمين والشحن وتأخير الإمدادات.
وفي الأيام التي سبقت الاجتماع، كانت دول مجلس التعاون تركز في اجتماعاتها بنيويورك على حماية سلاسل الإمداد وأمن الملاحة وتنويع طرق النقل، بما في ذلك تطوير الموانئ وخطوط الأنابيب وشبكات السكك الحديدية والطرق ومرافق التخزين الاستراتيجي.
نحو الاجتماع الوزاري الثاني
واتفق الجانبان على عقد الاجتماع الوزاري المشترك الثاني للحوار الاستراتيجي بين الهند ومجلس التعاون في موعد مبكر، بما يعكس الرغبة في الانتقال من مرحلة وضع الأطر العامة إلى متابعة تنفيذ المشاريع والمبادرات.
وكان الاجتماع الوزاري المشترك الأول للحوار الاستراتيجي قد عقد في الرياض في سبتمبر 2024، وأسفر عن اعتماد خطة العمل المشتركة للفترة 2024-2028، التي أصبحت الإطار المؤسسي لتوسيع التعاون بين الجانبين.
وبذلك، تبدو المرحلة المقبلة للعلاقات الهندية الخليجية مرتبطة بثلاثة مسارات متوازية: تسريع مفاوضات التجارة الحرة، توسيع الاستثمارات والتعاون في القطاعات الجديدة، وتعزيز أمن الطاقة وسلاسل الإمداد في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.


