الأربعاء, 2 سبتمبر 2026|19 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

أعربت وزارة الخارجية عن إدانة السعودية قيام إيران باستهداف الناقلة السعودية (سدر) خلال عبورها مضيق هرمز، وما نتج عنه من وفيات لطاقم الناقلة.

يمثل التصعيد الإيراني في مضيق هرمز، بما في ذلك استهداف السفن التجارية والناقلة السعودية «سدر»، وتهديد حرية الملاحة، تطورًا بالغ الخطورة يتجاوز كونه حادثًا أمنيًا محدودًا، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للمضيق بوصفه أحد أهم الممرات البحرية التي تعتمد عليها حركة التجارة وإمدادات الطاقة العالمية.

تأتي إدانة السعودية لاستهداف الناقلة السعودية «سدر»، وما نتج عنه من وفيات في صفوف طاقمها، في سياق موقف أوسع يؤكد ضرورة حماية الملاحة الدولية ورفض أي ممارسات من شأنها تحويل الممرات البحرية الدولية إلى أدوات للضغط السياسي أو الاقتصادي.

وأكدت وزارة الخارجية السعودية إدانة الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت كذلك الأردن والبحرين والكويت، مشددة على وقوف المملكة وتضامنها الكامل مع الدول الشقيقة في الإجراءات التي تتخذها لحماية أمنها وسيادتها من أي تهديد.

وشددت السعودية على ضرورة وقف التصعيد واحترام أمن الملاحة الدولية وسلامتها، وأمن إمدادات الطاقة العالمية، ومبادئ حسن الجوار، وسيادة الدول، وميثاق الأمم المتحدة، والقانون والأعراف الدولية، داعية جميع الأطراف إلى التهدئة والعودة إلى المفاوضات والحلول السلمية.

تهديد الملاحة يرفع كلفة الاقتصاد العالمي

تكمن خطورة السلوك الإيراني في مضيق هرمز في أن أي تعطيل لحركة السفن أو تهديد لها ينعكس سريعًا على الأسواق العالمية، ولا سيما أسواق الطاقة والنقل والتأمين.

فالمضيق يمثل نقطة عبور رئيسية لناقلات النفط والغاز، وأي اضطراب مستمر في حركة السفن عبره يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، فضلًا عن دفع الشركات المالكة للسفن إلى البحث عن مسارات بديلة، وهي خيارات غالبًا ما تكون أطول وأكثر تكلفة.

ولا تقتصر التداعيات على الدول المطلة على الخليج؛ إذ إن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل ينتقل إلى الاقتصادات العالمية عبر ارتفاع تكلفة الإنتاج والنقل والسلع والخدمات، بما قد يزيد الضغوط التضخمية ويؤثر في النمو والاستثمار.

وتزداد المخاطر عندما تنتقل التهديدات من التصريحات السياسية إلى ممارسات فعلية، مثل استهداف السفن التجارية أو محاولة فرض قيود أو رسوم على السفن العابرة. فقبول مثل هذه الممارسات من شأنه أن يخلق سابقة خطيرة تسمح بتحويل الممرات البحرية الدولية إلى مناطق خاضعة للابتزاز أو الإكراه، بما يقوض استقرار التجارة الدولية.

رسوم العبور.. سابقة اقتصادية وقانونية خطيرة

يشكل السعي إلى فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز، إذا وقع أو فُرض بالقوة، تحديًا يتجاوز مسألة التكلفة المالية المباشرة.

فالمشكلة الأساسية تتمثل في محاولة التعامل مع ممر مائي دولي باعتباره أداة يمكن استخدامها لفرض إتاوات أو شروط على حركة التجارة العالمية. ومن شأن ذلك أن يفتح الباب أمام تكرار النموذج في ممرات بحرية استراتيجية أخرى، بما يضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى الاقتصاد العالمي.

كما أن التهديد بفرض رسوم أو منع المرور أو عرقلته يضع شركات الملاحة أمام حالة من عدم اليقين، ويجبرها على احتساب مخاطر إضافية عند تحديد مساراتها وأسعار خدماتها وتأمين سفنها، وهو ما يرفع الكلفة النهائية للتجارة حتى في حال استمرار حركة الملاحة.

المخاطر الأمنية أكثر اتساعًا

لا تقل التداعيات الأمنية خطورة عن الآثار الاقتصادية. فاستهداف ناقلة تجارية أثناء عبورها المضيق، وما أسفر عنه من سقوط ضحايا بين أفراد طاقمها، يبعث برسالة شديدة الخطورة إلى قطاع الملاحة الدولي مفادها أن السفن المدنية يمكن أن تتحول إلى أهداف في خضم التوترات السياسية والعسكرية.

ومن شأن استمرار هذه الممارسات أن يدفع شركات الملاحة إلى إعادة تقييم عملياتها في المنطقة، وتشديد إجراءات الحماية، ورفع مستويات التأمين، وربما تقليص حركة بعض السفن أو تغيير مساراتها.

كما أن تكرار الحوادث يمكن أن يؤدي إلى أخطاء في التقدير أو احتكاكات بين السفن والقوى العسكرية الموجودة في المنطقة، بما يرفع احتمالات اتساع نطاق المواجهة وتحول حادث بحري محدود إلى أزمة إقليمية أوسع.

مضيق هرمز ليس ورقة للضغط السياسي

تبرز في هذا السياق أهمية التأكيد على أن حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية لا ينبغي أن تكون رهينة للتجاذبات السياسية أو العسكرية بين الدول.

ومضيق هرمز، بحكم موقعه ووظيفته في حركة الملاحة الدولية، ليس مرفقًا تجاريًا تابعًا لدولة واحدة حتى تصبح حركة السفن فيه خاضعة لإرادة سياسية أحادية أو رسوم تفرض بالقوة. وتحدد قواعد القانون الدولي للبحار نظام المرور في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، بما يفرض احترام حقوق الملاحة وعدم تحويل الممر إلى أداة لتعطيل التجارة الدولية.

ومن هنا، فإن أي محاولة لاستخدام المضيق لإغلاق طريق الملاحة أو ابتزاز السفن أو فرض شروط أحادية على عبورها تمثل تهديدًا لاستقرار النظام الملاحي الدولي، وليس مجرد خلاف ثنائي أو إقليمي.

ضرورة العودة إلى آليات المرور السابقة

في ظل التطورات الأخيرة، تبرز الحاجة إلى عودة آليات المرور عبر مضيق هرمز إلى ما كانت عليه قبل 28 فبراير الماضي، بما يضمن انسيابية حركة السفن التجارية وناقلات الطاقة، ويعيد مستوى اليقين الذي تحتاج إليه شركات الملاحة والأسواق العالمية.

فالعودة إلى الوضع السابق لا تعني فقط استئناف حركة السفن، وإنما تعني إعادة تثبيت مبدأ أساسي: أن مرور السفن التجارية عبر المضيق يجب أن يتم وفق القواعد الدولية المستقرة، بعيدًا عن التهديد أو الابتزاز أو فرض رسوم أحادية أو القيود التي تفرضها القوة.

كما أن ضمان حرية الملاحة يتطلب وقف استهداف السفن التجارية، والامتناع عن أي إجراءات قد تعرض أطقمها للخطر، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة لحركة التجارة والطاقة.

السعودية: خفض التصعيد وحماية أمن الملاحة

يعكس الموقف السعودي، في هذا الإطار، إدراكًا لحساسية المرحلة وخطورة انتقال التصعيد من ساحات المواجهة السياسية والعسكرية إلى الممرات التي تعتمد عليها التجارة العالمية.

فدعوة المملكة إلى وقف التصعيد واحترام القانون الدولي والعودة إلى المفاوضات والحلول السلمية تتزامن مع تأكيد واضح على أمن الملاحة الدولية وسلامتها وأمن إمدادات الطاقة العالمية.

وتحمل هذه الرسالة بُعدًا إقليميًا ودوليًا في آن واحد: حماية أمن الخليج لا تنفصل عن حماية الاقتصاد العالمي، وأمن الممرات البحرية لا يمكن فصله عن أمن الطاقة والتجارة الدولية.

وفي المحصلة، فإن استمرار السلوك العدائي في مضيق هرمز يهدد بتحويل واحد من أهم الممرات البحرية في العالم إلى بؤرة مخاطر دائمة، بما يرفع تكلفة التجارة والطاقة والتأمين، ويهدد سلامة أطقم السفن، ويزيد احتمالات التصعيد العسكري.

لذلك، فإن حماية المضيق لا تتطلب فقط منع إغلاقه، بل ضمان حرية الملاحة فيه، ورفض أي محاولة لفرض رسوم أو شروط أحادية على السفن، وإعادة آليات المرور إلى وضعها الطبيعي قبل 28 فبراير، وترسيخ التعامل معه بوصفه ممرًا للملاحة الدولية تحكمه قواعد القانون الدولي، لا ورقة ضغط تخضع لإرادة دولة واحدة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية