تشهد شركات التسوق العالمية تحولا واضحا في طريقة تعاملها مع الذكاء الاصطناعي، إذ انتقلت من التركيز على حث الموظفين والعملاء إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى مرحلة أكثر ارتباطا بالتكلفة والعائد والقيمة التي يمكن تحقيقها فعليا من هذه التقنيات.
وبعد فترة من التجربة والتعلم، بدأت الشركات تقيم الإنفاق بصورة أكثر دقة، وتبحث عن حالات الاستخدام الأعلى قيمة، مع التركيز على المجالات التي يمكن أن تحقق عائدا ملموسا على الاستثمار، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال".
تقول جيل بافلوفيتش، نائبة الرئيس الأولى لتجارب التسوق الرقمية في شركة ألبرتسونز: إن الشركة بدأت تصبح أكثر دقة في تحديد المجالات التي يحقق فيها الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أكبر أثر.
وأوضحت أن الشركة أصبحت تعرف ما الذي ينجح، وتفهم بشكل أفضل الأماكن التي يرغب العملاء في التفاعل فيها مع هذه الأدوات، ما يسمح لها بتوجيه استثماراتها بصورة أكثر تركيزا.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه ألبرتسونز تحديات في أعمالها الأساسية. ففي يوليو، توقعت الشركة تراجع مبيعاتها خلال العام، بعدما تأثر نشاط البقالة الأساسي في الربع الأخير نتيجة زيادة حذر المستهلكين. وتسعى الشركة إلى تحسين القيمة وتجربة العملاء لاستعادة المتسوقين الأكثر تحفظا، فيما يمثل تحسين التجارب المدعومة بالذكاء الاصطناعي جزءا مهما من هذا الجهد.
وخلال الأشهر الـ18 الماضية، أطلقت ألبرتسونز مجموعة من تجارب الذكاء الاصطناعي، من بينها «Ask AI» و«Plan AI» و«Buy AI»، لمساعدة العملاء في جوانب مختلفة من رحلة التسوق. إلا أن الشركة تتجه الآن إلى دمج هذه الأدوات في مساعد محادثة واحد، بدلا من تشغيل حلول منفصلة لكل مرحلة.
وأضافت أن الهدف من هذا الدمج هو توفير تجربة عملاء أفضل، إضافة إلى تحقيق عائد مالي أفضل على الاستثمار. بحسب بافلوفيتش، فإن محاولة توفير حلول منفصلة لأجزاء مختلفة من عملية التسوق أدت أحيانًا إلى إنفاق فرق متعددة أموالًا وموارد على أمور مكررة.
العائد يبدأ من سلة التسوق
لم يظهر العائد على الاستثمار في أدوات الذكاء الاصطناعي لدى ألبرتسونز منذ اليوم الأول، وهو أمر معتاد مع كثير من التقنيات الجديدة، لكن الشركة رصدت مؤشرا مبكرا مهما، تمثل في ارتفاع متوسط قيمة طلبات العملاء الذين يستخدمون هذه الأدوات.
وبحسب بافلوفيتش، ارتفع متوسط قيمة الطلب بنحو 10% عند استخدام البحث التقليدي القائم على المحادثة، بينما وصل الارتفاع إلى نحو 26% عند استخدام مساعدين أكثر شمولية للعثور على الوصفات والمكونات التي تتوافق مع التفضيلات الغذائية للعملاء.
ويعود جزء من هذا الارتفاع إلى قدرة المساعدات الذكية على تذكير المتسوقين بالمنتجات التي قد ينسون إضافتها. فعلى سبيل المثال، يمكن لمتسوق يستعد لإقامة ليلة للتاكو أن يحصل على قائمة تشمل جميع المكونات، من خبز التورتيلا والجبن إلى الخضراوات، بدلا من البحث عن كل منتج على حدة.
مع ارتفاع معدل استخدام هذه الأدوات، ذكرت "وول سترييت جورنال" أن الزيادات الصغيرة أصبحت في قيمة كل طلب تتراكم إلى مستوى يكفي لتبرير تكاليف تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي وصيانتها.
قياس المكاسب الصغيرة
تعمل بافلوفيتش مع فريق مالي متخصص في ألبرتسونز يتولى متابعة الإنفاق والعوائد ضمن أربعة محاور للتحول تراهن عليها الشركة لتعزيز أعمالها بالذكاء الاصطناعي، تشمل تجربة العملاء الرقمية، واستخبارات التسويق، وتمكين الموظفين، وتحسين سلسلة الإمداد.
ويعقد الفريق المالي اجتماعا كل ثلاثة أشهر لمراجعة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي مقارنة بالقيمة التي يولدها، في عملية وصفتها بافلوفيتش بالمنضبطة والقريبة من تفاصيل التنفيذ.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي لم يُحدث بعد تحولا جذريا في النتائج المالية لألبرتسونز، فإنه بدأ يحقق مكاسب مالية أصغر لكنها قابلة للقياس، إلى جانب الدروس المستفادة من التجربة.
وفي الوقت نفسه، يمتد تأثير طفرة الذكاء الاصطناعي إلى قطاعات أخرى. فقد استفادت شركات صناعية أمريكية مثل كاتربيلر وإيتون وفورد موتور من الطلب المتزايد المرتبط بمراكز البيانات. وارتفع الإنتاج الصناعي الأمريكي في الشهر الماضي إلى أعلى مستوياته منذ 2022، بينما أصبح نشاط مولدات الكهرباء المرتبط بمراكز البيانات مصدرا رئيسيا لأرباح كاتربيلر، التي تستثمر 725 مليون دولار لتوسيع إنتاج المولدات في مصنع بولاية إنديانا.
لكن هذا التوسع يواجه مقاومة محلية أيضا. فقد رفضت ديلسيا باري ووالدتها إيدا هادلستون عرضا بقيمة 26.48 مليون دولار لشراء أرض عائلتهما في كنتاكي، بعدما اكتشفتا أن الأرض، التي زرعتها عائلتهما لما يقرب من 200 عام، ستستخدم لبناء مركز بيانات ضخم بقدرة 2.2 جيجاوات.
وتكشف هذه الحالات أن سباق الذكاء الاصطناعي لم يعد يتعلق فقط بتطوير التكنولوجيا أو زيادة استخدامها، بل أصبح مرتبطا بصورة متزايدة بالسؤال الأكثر أهمية للشركات والمستثمرين: أين تتحول استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى قيمة مالية حقيقية؟

