الأربعاء, 7 أكتوبر 2026|24 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية


يواجه الاقتصاد العالمي تجاذبا بين صدمة في أسواق الطاقة وطفرة الذكاء الاصطناعي، في اختبار جديد لقدرة الاقتصادات على الصمود بعد سلسلة من الأزمات، وفقا لكريستالينا جورجييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي.

قالت جورجييفا، إن تراكم الديون العامة العالمية، التي تتجه لتجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي، يمثل مصدر ضغط ثالثا إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة والتوسع السريع في الذكاء الاصطناعي، وفقا لـ "وول ستريت جورنال".

وأوضحت في كلمة تمهيدية في سنغافورة، قبيل اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المقررة الأسبوع المقبل في بانكوك، أن نجاح الاقتصاد العالمي في تحسين معدلات النمو المتواضعة خلال هذا العقد سيتوقف على القدرة على التعامل مع هذه العوامل الثلاثة.

وتأتي الاجتماعات في وقت يتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين وتسارع التغيرات الاقتصادية، في ظل استمرار أزمة الطاقة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط، وما تسببه من ضغوط تضخمية وصدمة جديدة في جانب المعروض، بالتزامن مع استمرار تداعيات اضطرابات الحرب في أوكرانيا.

بنوك مركزية ترفع أسعار الفائدة

وأشارت جورجييفا إلى أن ذلك دفع عددا من البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة، مع تزايد التوقعات بمزيد من الزيادات، فيما أدى تشديد الأوضاع المالية إلى تصاعد المخاوف بشأن الأوضاع المالية للحكومات في الاقتصادات المتقدمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ودفع عوائد السندات إلى أعلى مستوياتها في عدة أعوام.

"ارتفاع العوائد يزيد عبء تكلفة الفائدة في وقت تعاني فيه الميزانيات قيودا صارمة وتتزاحم فيه أولويات الإنفاق، بما في ذلك الإنفاق الدفاعي"، كما قالت.

ورغم أن إجراءات مثل تنويع مصادر الوقود والاستفادة من الاحتياطيات الإستراتيجية ساعدت حتى الآن على احتواء اضطرابات أسواق الطاقة الناجمة عن أزمة إيران، فإن تدفقات النفط والغاز من منطقة الخليج لا تزال هشة، بينما يدور سعر النفط حول 100 دولار للبرميل.

وأضافت أن النقص الهيكلي في طاقة التكرير عالميا يدفع أسعار التجزئة للديزل والمنتجات النفطية المكررة الأخرى إلى مستويات قياسية، في حين لا تزال إمدادات الغاز الطبيعي من الخليج متضررة بشدة، ما يضغط بصورة خاصة على آسيا وأوروبا.

وأظهرت مؤشرات، من بينها مسوح مديري المشتريات، قدرة المصانع على تحمل الصدمة حتى الآن، إلا أن الشركات لا تستطيع استيعاب الضغوط على هوامش أرباحها إلى ما لا نهاية، مع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والمدخلات الأخرى، ما دفع كثير منها إلى تمرير هذه التكاليف إلى المستهلكين، لتتسع بذلك الضغوط التضخمية.

قالت جورجييفا: "حتى لو انتهت الحرب في الخليج قريباً، فمن المرجح أن تستمر مشكلة ارتفاع أسعار الطاقة لبعض الوقت"، مشيرة إلى أن العقود الآجلة لخام برنت تشير إلى بقاء أسعار النفط مرتفعة حتى 2027.

ومع ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد التضخم، ترتفع أسعار الفائدة وعوائد السندات السيادية أيضا، إذ وصلت عوائد السندات الحكومية لأجل 10 أعوام في الولايات المتحدة وألمانيا واليابان إلى أعلى مستوياتها منذ 2007 و2009 و1996 على التوالي، ولا تزال في مسار صعودي.

وذكرت أن ارتفاع العجز المالي وتكاليف خدمة الدين يدعمان توجه عدد من البنوك المركزية نحو سياسات نقدية أكثر تشددا، معتبرة أن رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان أسعار الفائدة وإبداء مواقف حازمة يعد أمرا مناسبا في الظروف الحالية.

الذكاء الاصطناعي .. محرك للنمو ومصدر للمخاطر

في المقابل، أسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز صمود الاقتصاد العالمي، إذ وصفته جورجييفا بأنه أصبح محركا رئيسا لتباين أداء الاقتصادات حول العالم، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر جديدة.

وأوضحت أن الذكاء الاصطناعي يرفع الطلب على الطاقة، فيما تضيف موجة الاستثمار في بنيته التحتية ضغوطا تضخمية إلى الاقتصاد، حسب وول ستريت جورنال.

كما حذرت من تزايد التركّز الاقتصادي والمالي في قطاع التكنولوجيا، مشيرة إلى أن تراجع أرباح الشركات الكبرى العاملة في الذكاء الاصطناعي عن التوقعات قد يحول خيبة المستثمرين إلى صدمة واسعة النطاق، في ظل ارتفاع مديونية شركات الحوسبة السحابية الكبرى وتركز حيازات عالمية كبيرة في الأسهم الأمريكية.

 ما خط الدفاع الأول في مواجهة هذه المخاطر؟

وترى جورجييفا أن التنظيم والرقابة يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة هذه المخاطر، في وقت حذر فيه خبراء من إمكانية تأثير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة في النظام المالي الذي يعتمد عليه الاقتصاد العالمي.

وعلى صعيد السياسة المالية، دعت جورجييفا الاقتصادات المتقدمة ذات مستويات الدين المرتفعة إلى التحرك بحسم لتنفيذ خطط موثوقة لضبط المالية العامة على المدى المتوسط، بما يخفف الضغوط الواقعة على السياسة النقدية.

وأكدت أن صناع السياسات الاقتصادية يملكون الأدوات اللازمة للتعامل مع الضغوط الحالية، لكن التحدي يكمن في التحرك في الوقت المناسب، محذرة من أن تأجيل الإجراءات الضرورية لم يعد خيارا متاحا في ظل تزامن ارتفاع أسعار الطاقة، وتسارع الذكاء الاصطناعي، وبلوغ الدين العام مستويات قياسية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية