في ظل تحول ديموجرافي يعد الأكثر تسارعا في تاريخ الصين الحديث، برز "اقتصاد العُزّاب" (Single Economy) كـأحد المحركات الرئيسية لديناميكيات النمو الاستهلاكي والهيكلي في البلاد؛ وذلك بعدما فقدت بكين لقبها كأكبر دولة من حيث عدد السكان لمصلحة الهند، جراء التراجع المستمر في معدلات الإنجاب.
تراجع الزواج يولد قوة شرائية تريليونية
تجلّت التحولات في بنية الأسرة الصينية بوضوح مع تراجع معدلات الزواج؛ إذ أظهرت أحدث البيانات الصادرة عن وزارة الشؤون المدنية، تسجيل نحو 6.76 مليون حالة زواج خلال عام 2025. بالمقارنة مع مستويات عام 2015 التي بلغت نحو 12.24 مليون حالة، تكون قد انخفضت بنسبة قاربت 45%.
يعكس "اقتصاد العزّاب" استجابة متزايدة للتغيرات الهيكلية في أنماط الاستهلاك، مدفوعة بارتفاع تكاليف السكن والتعليم وتبدل المفاهيم الاجتماعية حول الحياة الزوجية. لا ينحصر المفهوم المستحدث على غير المتزوجين فقط، بل يمتد ليشمل المطلقين والشباب المستقلين معيشيا عن أسرهم.
وصل إجمالي البالغين العُزّاب في الصين إلى نحو 240 مليون نسمة، ما يمثل 17% من مجموع السكان. حاليا، يعيش نحو 92 مليون بالغ بمفردهم (أسر الفرد الواحد)، وسط توقعات رسمية بزيادة هذا الرقم ليصل إلى 120 مليون أسر فردية.
تتحول "الوحدة" في الصين من ظاهرة اجتماعية إلى سوق موازية واعدة، بعدما تحول ملايين الأفراد الذين يعيشون بمفردهم من مجرد أرقام، في إحصاءات وزارة الشؤون المدنية، إلى قوة شرائية مؤثرة، تعيد رسم خريطة الاستهلاك المحلي في الصين، عبر تشكيل معالم سوق ضخمة تجاوزت قيمتها، وفقا لتقرير ديسكفري ريبورتس، تريليون دولار عام 2025، مع توقعات ببلوغها 4 تريليونات بحلول عام 2035.
من وجبات الفرد الواحد إلى صناعة الرفاهية
نحج هذا النمط الاقتصادي في إعادة تشكيل قطاعات حيوية عدة في السوق الصينية، حيث أجبرت الظاهرة سلاسل المطاعم على التخلي عن نمط المائدة العائلية المقسمة، وأدى التحول نحو الطعام الفردي بطلب "وجبة لشخص واحد" إلى إرغام المطاعم على إعادة هيكلية التصاميم والفضاءات.
خصصت أكثر من 60% من سلاسل المطاعم الكبرى مقاعد فردية مزودة بحواجز لضمان خصوصية الزبائن العزاب. وقدر تقرير إعلامي لشبكة "CCTV" قيمة سوق تناول الطعام الفردي في الصين بنحو 137 مليار دولار عام 2025.
فرض هذا الاتجاه على غالبية الشركات إعادة هيكلية خطوط الإنتاج نحو التصغير؛ حيث ارتفع الطلب على الشقق السكنية المصممة بنظام "Studio"، بالتزامن مع نمو مبيعات الأجهزة المنزلية الفردية بنسبة 20%.
في الوقت ذاته، انتعشت صناعة الحيوانات الأليفة لتصل قيمتها إلى 44 مليار دولار، في ظل اعتماد نحو 70% من هذه الفئة على شراء الحيوانات بديلا عن الرعاية الأسرية والعناية بالأبناء.
العزوبيةُ تحول العزلةَ إلى قوة تريليونية
ترفع فئة العزاب شعار "أنفق على نفسك أولا" بوصفه محركا رئيسيا لهذا النمط الاستهلاكي، إذ يدفع غياب الأسرية نحو زيادة ملحوظة في حجم الإنفاق على مختلف وسائل الترفيه. يأتي ذلك في إطار مساعيهم لتعويض العزلة، وتحسين جودة الحياة، ما يوجه ميزانياتهم الشخصية نحو منتجات وخدمات تعزز الرفاهية الذاتية، وتخلق أنماطا استهلاكية جديدة في السوق.
يمثل هذا الاقتصاد تحولا هيكليا من "استهلاك الاستقرار" القائم على البيت والأسرة إلى "استهلاك التجربة والرفاهية الفردية". ورغم ما يوفره من مكاسب سريعة لقطاعات التجزئة والخدمات والتكنولوجيا، فإنه يصطدم بتحديات طويلة الأجل تؤثر في استقرار النمو والاقتصاد الكلي للصين.
بين الماضي والحاضر، تكمن مفارقة لافتة؛ فالمحرك الذي يقود اليوم تريليونات الدولارات في أسواق التجزئة الصينية بدأ بشرارة بسيطة عام 1993، داخل أروقة جامعة نانجينج في مقاطعة جيانجسو، حين ابتكر 4 طلاب عزاب احتفالية طريفة لمواجهة ملل العزوبية، واختاروا لها يوم 11 نوفمبر (11.11) تعبيرا عن 4 عصيّ مجردة ترمز للوحدة.
لم تكن تلك المزحة الطلابية سوى النواة الأولى لظاهرة تجاوزت رمزيتها العاطفية، لتعكس عمق التحول الديموجرافي والاقتصادي في الصين، محولة مشاعر العزلة والوحدة من حالة فردية إلى قوة استهلاكية عارمة تعيد رسم مستقبل الاقتصاد الصيني.

