بينما يجلس الطلاب في فصولهم المدرسية استعدادا لبدء موسم جديد يطمحون من خلاله إلى تحقيق أحلامهم كانت جيوب الأسر السعودية قد استنزفت على شراء المستلزمات التعليمية التي بلغت مبيعاتها 1.01 مليار ريال في أسبوع واحد خلال أغسطس الماضي بحسب وحدة التحليل المالي في "الاقتصادية"، والتي رصدت أيضا أن أغلب هذا المبلغ تم إنفاقه في الأيام التي سبقت الدراسة مباشرة وضمن استعدادات التلاميذ للعام الجديد، وبمقارنة إنفاق السنة الماضية يتضح أن 2026 سجلت زيادة في المبيعات بنسبة لا تقل عن 19%.
وراء هذا الرقم الضخم تكمن حقيقة اقتصادية أخرى كشفتها مؤشرات الإنفاق الاستهلاكي الصادرة عن البنك المركزي السعودي "ساما" وهي أن ما لا يقل عن 25% إلى 30% من المبالغ التي يتم إنفاقها سنويا على مستلزمات التعليم تصرف في قنوات غير ضرورية وأشياء ثانوية لا يحتاجها الطلاب، غير أن كثير من السلع التي يدفع فيها أولياء الأمور مبالغ كبيرة يوجد بدائل لها بسعر أرخص، واستنادًا إلى ذلك فإن هناك نحو 300 مليون ريال تم هدرهم خلال أسبوع واحد.
تتبع منافذ هذا الهدر المالي يكشف أن الحقائب المدرسية ذات الماركات العالمية تتصدر قائمة السلع التي تستنزف الأموال، خاصة أن سعر الحقيبة الواحدة يتراوح بين 250 ريال إلى 600 ريال وتشهد إقبال كبير عليها من الطلاب رغم وجود حقائب أخرى بنصف الثمن تقريبا بحسب مؤشرات الإنفاق الاستهلاكي، وكذلك تضم القائمة القرطاسيات الفاخرة مثل علب الأقلام البراقة والدفاتر ذات التصاميم الخاصة وشخصيات الرسوم المتحركة والتي يرتفع سعرها بنحو 20% عن سلع تؤدي نفس الغرض.
الأجهزة الذكية اللازمة للطلاب مثل التابلت وغيره تحتل مكانة كبيرة أيضا في قائمة الهدر في ظل تفضيل التلاميذ للأنواع ذات المواصفات الفائقة التي يرتفع سعرها بنسبة 45% مقارنة بأخرى تؤدي نفس المهام، والمفارقة وفقًا لمؤشرات الإنفاق الاستهلاكي أن الطلاب لا يحتاجون إلى إمكانات تقنية فائقة في دراستهم، لكن السعي وراء العلامات التجارية المرموقة وإرضاء الأبناء بالأشياء الغالية حتى لو لم يحتاجونها هو السبب الرئيسي وراء كل ذلك وهو ما يتكرر في بنود أخرى مثل التخلي عن الزي المدرسي المصنوع محليًا مقابل شراء آخر مستورد ومرتبط باسم تجاري شهير.
يصل أعداد طلاب المملكة إلى 6.72 مليون طالب وطالبة وفقًا للإحصاءات الرسمية وهؤلاء موزعون بين المدارس الحكومية المجانية بالكامل والتي تستوعب 84% من التلاميذ، وفي المقابل يصل نصيب قطاع التعليم الأهلي إلى 11%
بينما تحصد المدارس العالمية والدولية 5% ، ويرسم هذا التوزيع بدوره مسارات حجم الإنفاق والعبء المالي على ميزانيات العائلات السعودية، إذ يشكل ما ينفقه الأهالي على أولادهم في المدارس الحكومية نحو 5% من دخلهم الشهري بينما تصل تلك النسبة إلى 12% في التعليم الأهلي و35% من الدخل السنوي للأسر التي تختار إلحاق أبنائها بمسارات المدارس العالمية.
ميزانية التعليم لا تتوقف عند عتبات المدارس إذ أن الأرقام السابقة تعكس فقط المصروفات الرسمية الظاهرة، والتي يستثنى منها سوق موازِ يستنزف الموارد المالية لأولياء الأمور بشكل خفي وعلى رأس ذلك الدروس الخصوصية التي وصلت كلفتها إلى 752 مليون ريال وفقًا لمسوح الإنفاق والدخل، وتتضاعف تلك النسبة بنحو 40% خلال فترات الاختبارات النهائية والمرحلة الثانوية لتأمين درجات تدعم القبول الجامعي، ووفقا للتقسيمة الجغرافية تتصدر الرياض حجم هذا الإنفاق بـ259.6 مليون ريال تليها مكة المكرمة بـ155.7 مليون ريال.
إضافة إلى ذلك هناك بنود أخرى منسية أبرزها الاشتراكات الفردية لسيارات الأجرة وسائقين لتوصيل الطلاب والتي تلتهم من 800 إلى 1200 ريال شهريا لكل طالب، ناهيك عن ملخصات المكتبات الخارجية والمشاريع المدرسية الجاهزة ما يجعل الفاتورة أكبر خاصة على الطبقة المتوسطة.
على الناحية الأخرى لا يشكل هذا الهدر المالي عبء أسري فقط بل تمتد آثاره إلى الدولة التي حاولت عبر عدة طرق أن تواجهه، فاستثمرت في البنية التحتية التعليمية حيث تم تخصيص ميزانيات ضخمة لتطوير وتشغيل منصات مثل "مدرستي" وبوابات قنوات "عين" التي يستخدمها الآن 6.2 مليون طالب ومعلم نظرًا لتوافر الشروحات والمناهج والكتب التفاعلية عبرها مجانًا وعلى مدار الساعة، وهذا ساهم بشكل مباشر في خفض الاعتماد على المطبوعات الورقية والملخصات التجارية المكلفة ماليًا والضارة بيئيًا، كما قلل من الاستهلاك التقليدي للقرطاسيات الضخمة والأدوات الأخرى التي لا يحتاجها التحول الرقمي.
سلوكيات الشراء غير المنضبطة كان لها نصيب إذ واجهتها الدولة بأساليب استهدفت أولًا تخفيف الضرر المالي الواقع على الأسر والعبء اللوجستي على المرافق العامة، وأبرز الأمثلة شركة "رافد" لخدمات النقل المدرسي التي جهزت أسطول حافلات لنقل التلاميذ مقابل 200 ريال فقط للعام الدراسي كاملًا مع إعفاء مستفيدي الضمان الاجتماعي منه وهو ما حد من هدر الوقود المدعم ومنع استنزاف ميزانيات أولياء الأمور في عقود السائقين الخصوصيين وسيارات الأجرة التي تنقلهم.
بالتزامن مع ذلك ألزمت وزارة التعليم المدارس بتنفيذ حملات لاستعادة المقررات الدراسية في نهاية كل فصل مما سمح بإعادة فرز الكتب السليمة وتوجيه التالف منها لمصانع تدوير الورق المحلية، وهو ما خفض جزئيًا من ميزانية طباعة وتوريد المناهج التي تتحملها الدولة سنويًا بنسبة 100%، أما على الجانب الرقابي فتشن وزارة التجارة جولات ميدانية موسمية لمكافحة استغلال المواسم وضبط أسعار المكتبات ومنافذ البيع ، لكن تلك الجهود كلها تبقى متعلقة بإجابة سؤال واحد فقط، متى يشعر المواطن أن الطريق إلى الثروة يبدأ بشراء ما يحتاجه لا ما تسوقه له الماركات العالمية كما يقول الملياردير الشهير وارن بافيت؟



