طالما اعتمدت ألمانيا على الولايات المتحدة في أمنها، وعلى الصين في نموها الاقتصادي، لكن التحولات الجيوسياسية الأخيرة دفعتها إلى محاولة رسم مسار أكثر استقلالية.
تكشف زيارتان للمستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى بكين وواشنطن حجم التعقيد المحيط بهذه المهمة، إذ تسعى برلين إلى تقليص اعتمادها على القوتين العظميين دون تعريض اقتصادها أو أمنها لمخاطر فورية.
أصبح اعتماد ألمانيا على الحماية الأمريكية محل تساؤل بعد انتقادات الرئيس ترمب للحلفاء الأوروبيين، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال". من جهة أخرى، تحولت السياسات التجارية الصينية، التي تميل إلى الحمائية وتدعم فائض الإنتاج الذي يصدر بأسعار تضغط على المنافسين، إلى تحد مباشر للاقتصاد الألماني القائم على التصدير.
في بكين يوم الأربعاء، حاول المستشار الألماني فريدريش ميرتس، المعروف بموقفه المتشدد تجاه الصين مقارنة بسلفه، في أول زيارة رسمية له، تغيير نهج العلاقات مع أكبر شريك تجاري لبلاده. وبعد أيام، سيتوجه إلى واشنطن لبحث مستقبل العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا في ظل سياسات ترمب التجارية، وفقًا لمسؤولين ألمان.
كما أثارت زيارات القادة الأوروبيين ورئيس كندا الأخيرة لبكين نقاشات حول إعادة ضبط العلاقات بينها والصين لموازنة التوترات الأمريكية المتزايدة.
غير أن العلاقة الألمانية-الصينية يلفها تعقيد شائك. فقد ارتبط الاقتصاد الألماني بالصين لعقود من خلال استثمارات ضخمة لشركات السيارات والآلات والكيماويات. لكن هذه الشركات تواجه اليوم منافسة شرسة من سوق صينية تشهد فائضًا كبيرًا في الطاقة الإنتاجية يؤدي إلى انكماش الأسعار وتآكل الأرباح.
فشركات مثل "فولكسفاجن" كانت تحقق ما يصل إلى 40% من مبيعاتها وأرباحها في السوق الصينية، إلا أن المنافسة الشرسة وفائض الإنتاج في الصين أديا إلى تراجع حصتها السوقية، بل وإلى قرارات قاسية مثل خفض الوظائف وإغلاق أول مصنع لها.
ارتفعت الواردات الألمانية من الصين بنسبة 8.8% في 2025
وتعكس أرقام التجارة هذا التحول بوضوح. فقد ارتفعت الواردات الألمانية من الصين بنسبة 8.8% في عام 2025، بينما تراجعت الصادرات الألمانية إليها بنسبة 9.7%، واتسع بذلك العجز التجاري الألماني مع بكين بنحو 33%، في مؤشر على انتهاء مرحلة "التكافل الاقتصادي" التي ميزت العلاقة بين البلدين.
قال نواه باركين، المحلل في شركة "روديوم": "من وجهة نظر الصين، على أوروبا تقديم التنازلات والسعي إلى دعم اقتصادي أوثق من الصين لأنها في موقف ضعيف. ولا ترى ضرورة لشرخ العلاقات عبر الأطلسي، فإدارة ترمب أحدثت الشرخ أصلا".
وكتب ميرتس في مقال نشر في مجلة "فورين أفيرز" مطلع هذا الشهر أنه لا ينبغي على ألمانيا ينبغي لها قطع علاقاتها مع الصين، لكن عليها تقليص اعتمادها عليها. كما أبدى دعمه لمقترحات الاتحاد الأوروبي الرامية إلى فرض رسوم جمركية وقواعد لدعم المنتج المحلي في قطاعات التكنولوجيا والسيارات.
ورغم الضغوط المتزايدة من بعض دوائر الأعمال والنقابات لفرض قيود على الواردات الصينية، لا تستطيع برلين قطع جسورها مع بكين في الوقت الراهن. ما زالت صناعات ألمانية حيوية تعتمد على مدخلات صينية أساسية، كما أصبحت الصين قاعدة مهمة للبحث والتطوير لبعض الشركات.
لذلك، يحاول ميرتس تبني نهجا متوازنا، بالحفاظ على قنوات الحوار مع بكين وواشنطن، مع تعزيز الاستثمار في الدفاع الأوروبي، وتنويع سلاسل الإمداد، وبناء شراكات تجارية بديلة.
يقول ديرك شوماخر، كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الألماني الحكومي: "تعد أوروبا أكبر سوق للصين، لذا من حيث المبدأ، هي موقف تفاوضي جيد. لكن إذا نظرنا إلى أوجه الاعتماد .. فإن المدخلات الأساسية في سلاسل التوريد تحت سيطرة الصين، ما يجعل أوروبا عرضة للخطر".

