مع اقتراب انتهاء موسم الزراعة خلال نحو 6 أسابيع، يواجه المزارعون في أمريكا ضغوطاً متزايدة بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الأسمدة، ما يضعهم أمام خيار صعب: إما تقليص استخدام الأسمدة وخفض إنتاجية المحاصيل، أو الاستمرار في مستوياتها الحالية وتحمل خسائر مالية محتملة.
وكشف استطلاع حديث أجراه اتحاد المزارعين شمل نحو 5,700 مزارع أن نحو 70% منهم غير قادرين على تحمل تكلفة الأسمدة المطلوبة بالكامل، فيما قال ما يقرب من ستة من كل عشرة إن أوضاعهم المالية تدهورت نتيجة ارتفاع أسعار الأسمدة والوقود على حد سواء.
وتأتي هذه التطورات في ظل اضطرابات واسعة في سلاسل الإمداد العالمية مرتبطة بالحرب الدائرة حول إيران، والتي أدت إلى تشديد السيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو ثلث شحنات الأسمدة العالمية.
ورغم التحسن النسبي في حركة السفن خلال الأيام الأخيرة، حيث عبر أكثر من 20 سفينة تجارية المضيق، مقارنة بتوقف شبه كامل في وقت سابق من الشهر، إلا أن استمرارية هذا التحسن لا تزال غير مؤكدة مع استمرار الصراع ودخول الحرب أسبوعها السابع، رغم الإعلان عن وقف إطلاق نار بين الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي وإمكانية تمديده.
نتيجةً لذلك، ارتفعت أسعار الأسمدة الثلاثة الرئيسية التي يستخدمها المزارعون: النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، بنسبٍ مضاعفة، وفقًا لجوش لينفيل، نائب رئيس قسم الأسمدة في شركة الخدمات المالية ستون إكس جروب.
المزارعون مع ارتفاع أسعار الأسمدة
ويأتي هذا الارتفاع في وقت يعاني فيه المزارعون الأمريكيون بالفعل من ضغوط سوقية ممتدة، إذ تراجعت أسعار المحاصيل الرئيسية مثل الذرة وفول الصويا بنسب كبيرة مقارنة بذروتها في عام 2022. فقد انخفضت أسعار الذرة بنحو 40% لتستقر عند نحو 4.15 دولار للبوشل، مقارنة بذروة بلغت 6.86 دولار في 2022، بينما تراجعت أسعار فول الصويا بنحو 37% إلى 10.30 دولار للبوشل، بعد أن كانت تقارب 16.40 دولار، بحسب بيانات وزارة الزراعة الأمريكية.
وتتركز تداعيات ارتفاع أسعار الأسمدة بشكل أكبر في ولايات الجنوب الأمريكي، حيث أظهرت بيانات اتحاد المزارعين أن 19% فقط من المزارعين هناك قاموا بشراء الأسمدة مسبقاً لتأمين احتياجاتهم. ويزرع هؤلاء المزارعون محاصيل مثل القطن والأرز والذرة وفول الصويا والفول السوداني، وهي محاصيل تعتمد بشكل كبير على الإضافات الغذائية للأسمدة، ما يجعلهم أكثر عرضة لتقلبات الأسعار.
انتهاء موسم الزراعة
الوقت يمر سريعًا. ومع اقتراب نهاية موسم الزراعة في منتصف مايو، يواجه المزارعون سباقاً مع الزمن لاتخاذ قرارات حاسمة: إما تقليل استخدام الأسمدة، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض إنتاج المحاصيل لاحقاً، أو تحمل التكاليف المرتفعة على أمل الحفاظ على العائدات، مع احتمال تكبد خسائر مالية عند الحصاد. وفي بعض الحالات، قد يضطر بعض المزارعين إلى عدم المشاركة في الموسم الزراعي أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية التكاليف التشغيلية.
كما وصف برايان هانزل، كبير مسؤولي الإيرادات في شركة هولغانيكس للزراعة المتجددة، لمجلة فورتشن الوضع بأنه بالغ الصعوبة بالنسبة للمزارعين، قائلاً إنهم يواجهون قراراً معقداً بين الخسارة أو تقليل المدخلات أو تحمل مخاطر مالية إضافية.
وأضاف أن جزءاً من الحل قد يكمن في التحول نحو أساليب الزراعة التجديدية التي تهدف إلى تحسين صحة التربة وتقليل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية. وتشمل هذه الممارسات الحد من الحراثة العميقة، وزراعة محاصيل تغطية مثل الأعشاب والبقوليات، إضافة إلى تدوير المحاصيل لتحسين خصوبة التربة وزيادة المادة العضوية فيها.
لكن التحدي الأساسي، بحسب هانسل، هو أن هذه الممارسات تحتاج إلى سنوات حتى تظهر نتائجها بشكل ملموس، وهو ما يجعل عديدا من المزارعين مترددين في التخلي عن الأسمدة التي تضمن لهم استقرار الإنتاج على المدى القصير.
ورغم ذلك، بدأت الضغوط الاقتصادية تغير من هذا السلوك تدريجياً، إذ تضاعف الطلب على منتجات مثل Bio 800 التي تنتجها شركة هولغانيكس، والتي تعمل كنوع من “المحفز الحيوي” لتحسين خصوبة التربة وتقليل الحاجة إلى الأسمدة التقليدية.
وتشير تقديرات منظمة “مزارعي الزراعة التجديدية في أمريكا” إلى أن معظم المزارع تستخدم شكلاً واحداً على الأقل من ممارسات الزراعة المستدامة، مثل تقليل الحراثة، إلا أن نسبة المزارع التي تطبق الزراعة التجديدية بشكل كامل لا تتجاوز 1.5% من إجمالي أكثر من 300 مليون فدان مخصصة للمحاصيل الصفية في الولايات المتحدة.
ويرجع ذلك إلى أن التحول الكامل نحو هذا النوع من الزراعة يتطلب عادة تقليل الاعتماد على الأسمدة، وهو ما يتخوف منه كثير من المزارعين الذين يربطون بين تقليل الأسمدة وانخفاض الإنتاجية، رغم أن بعض الدراسات تشير إلى أن الإفراط في استخدام الأسمدة قد يؤدي على المدى الطويل إلى تدهور خصوبة التربة.
وفي المقابل، يرى مؤيدو هذا التحول أن ارتفاع أسعار الأسمدة قد يفرض واقعاً جديداً على القطاع الزراعي، يدفعه لإعادة التفكير في أساليب الإنتاج التقليدية.
ويختتم هانسل بالقول إن الاعتماد المفرط على الأسمدة جعل الزراعة الحديثة تعتمد بشكل أكبر على الكيمياء بدلاً من الطبيعة، مضيفاً أن المرحلة المقبلة قد تتطلب إعادة توازن هذا الاعتماد لضمان استدامة الإنتاج الزراعي.

