الشركات العائلية من منظور نفسي

|

شهدت الفترة الأخيرة قيام عائلة بانكروفت ببيع مجموعة "داو جونز" للنشر، بعد أن امتلكتها لفترة تناهز 105 أعوام، وذهبت ملكية المجموعة التي تضم جريدة "وول ستريت جورنال" الشهيرة إلى شركة "نيوز كوربوريشن" وهي شركة عائلية أيضا يملكها رجل الأعمال المعروف روبرت مردوخ، وبلغت قيمة الصفقة خمسة مليارات دولار أمريكي.
وفي قراءة تحليلية لظروف الصفقة، فإن عائلة بانكروفت نجحت في وضع قيم ومعايير واضحة لعمل صحيفة "وول ستريت جورنال"، القائمة على النزاهة الصحافية والاستقلالية التحريرية، لكنها لم تستطع الانتقال بها إلى عصر القرن الـ 21، وبالتالي نجح المنافسون في التفوق عليها، وأدى ذلك إلى هبوط حاد في سعر سهم مجموعة "داو جونز".
ولشرح ما حدث، فإن هناك خمسة عوامل نفسية أسهمت في الحد من فعالية عائلة بانكروفت كمالكة للمجموعة، وهي تتوزع كالتالي:
1 - افتقار العائلة إلى مهارات التواصل، سواء بشكل داخلي بين أفراد العائلة أو التفاعل الخارجي.
2 – فشل العائلة في إحكام سيطرتها على إدارة أعمال المجموعة، على الرغم من كونها المساهم الأكبر من حيث أسهم الملكية، ولم تستطع التدخل في الإدارة أو مراقبة وتقييم أدائها.
3 - تباين أهداف أفراد العائلة، حيث كان الجيل الشاب يفكر في توسيع انتشار المجموعة وتعزيز حصتها السوقية لتعزيز الأرباح ودعم القيمة المادية لصحيفة "وول ستريت جورنال"، بينما كان هاجس الجيل القديم يتمحور حول حماية الصحيفة والدفاع عن نزاهتها.
4 - لم يدرك الجيل القديم في العائلة أهمية حسم اتخاذ القرارات في إطار زمني محدد.
5 - لم يساعد الهيكل التنظيمي للمجموعة في الوصول إلى الفعالية المطلوبة للتحكم في الإدارة.
ويشير كالوك إلى أن هذه العوامل النفسية قد شكلت عائقا في وجه عائلة بانكروفت وهو ما أدى إلى تراجع قيمة الأصول التي تملكها، وبالتالي استحواذ عائلة مردوخ على المجموعة".
 تضافرت خبرات بهدف دراسة الديناميكية الإنسانية في الشركات العائلية للتغلب على العوامل النفسية التي قد تبدد أعواما طويلة من الإنجازات عبر تصرفات جيل واحد، وتمرصد الشركات العائلية التي عملنا معها في كلية إنسياد، وقمنا برصد وتحليل العائلات المالكة لتلك الشركات، وتم  التوصل إلى أن العوائق التي تقف في طريقها ليست بالضرورة متعلقة بعمل وإدارة الشركة، بل عادة ما تكون نتيجة الظروف العائلية والمشاكل الشخصية فيها". إذ تواجه العائلات تحديات متعددة سواء من حيث التواصل بين أفرادها، أو في طريقة معالجة المشاكل، أو حتى في تمضية الأوقات العائلية، وتأتي هذه التحديات نظرا لصعوبة أن يكون الفرد عضوا في عائلة وشركة عائلية في الوقت نفسه بسبب التضارب بين العلاقات العائلية المبنية على الحب والعاطفة وبين النظام المؤسسي القائم على الأداء.
ومن خلال دراسة عدد من الشركات العائلية تم وضع عدد من القضايا تحت عدسة مجهر التحليل النفسي، ومن ضمنها القيم العائلية والمؤسسية، إلى جانب العلاقات العائلية وصراع الأجيال وتحولات دورة الحياة. ويأمل كارلوك أن يسهم الكتاب في زيادة فهم وتقدير تأثيرات التفاعل الإنساني في الشركات العائلية، كما أن الكتاب موجه بالأساس إلى العائلات التي تدير مشاريع وأعمال خاصة بها، إضافة إلى الباحثين والمتخصصين في قضايا الشركات العائلية، إلى جانب الشريحة الأهم وهم الاستشاريون الذين يعملون مع هذا النوع من الشركات، وقد وجدنا أنهم محددون في إطار مهاراتهم العملية ولا يستطيعون مقاربة الأبعاد الإنسانية لعملائهم.
يأتي انتقال القيادة كإحدى أبرز القضايا داخل الشركات العائلية، حين ينتقل التحكم في الإدارة من الأب المؤسس إلى أولاده ومن ثم إلى أحفادهم، وتظهر التعقيدات نتيجة تباين القيم العائلية وتجارب أفرادها والفصل بين الإدارة والملكية، ويضيف كارلوك: "عادة ما تكون عملية انتقال الإدارة من الأب المؤسس إلى أبنائه ومن ثم إلى أحفاده عملية حاسمة، فإن تمت بنجاح، فذلك يعني وجود منظومة محددة لانتقال السلطة إضافة إلى الخبرة التي تبنيها مثل تلك العمليات الانتقالية". ويشار إلى أن مردوخ الذي نجح في تحويل شركة "نيوز كوروبوريشن" إلى مجموعة عالمية عليه أن يبدأ في التخطيط لمنظومة انتقال الإدارة في شركته بالتزامن مع وضع الخطط لأعمالها المستقبلية، خاصة أنه يتمتع بجميع المهارات التي يتطلبها ذلك، لكنه عندما ينقل الإدارة إلى الجيل الثاني في عائلته، فمن المؤكد أنه سيواجه عدة تحديات كالمشاكل التي قد تنشب بين زوجته الثالثة وأبنائه من زوجته الأولى. إن عملية انتقال الصفات الريادية في الأعمال من الفرد إلى العائلة مسألة صعبة للغاية، خاصة لدى العائلات الكبيرة والمتنوعة التي ستواجه مستويات أكبر من العلاقات المعقدة".

إنشرها