صباح الجمعة، بعد ساعات فقط من إقالته من منصب الرئيس التنفيذي لبنك كريدي سويس في أعقاب فضيحة تجسس، دخل تيجان ثيام بخطوات كبيرة عبر الباب الأمامي لمقر البنك الرئيسي في ساحة بارادبلاتز في زيوريخ.
كان مشهدا غريبا لموظفي الاستقبال، بالنظر إلى أن ثيام عادة ما يسلك طريقا خاصا عبر مرآب السيارات.
بعد إلقاء التحية على الموظفين، هذا الرجل الفرنسي من ساحل العاج البالغ من العمر 57 عاما جلس في مكتبه في الطابق الثاني وترك الباب مفتوحا. الرسالة، وفقا لشخص مقرب منه، كانت واضحة: "ليس لدي ما أخفيه. أنا لا أشعر بالحرج".
تم إنهاء خدمة ثيام في اجتماع طويل لمجلس الإدارة دام 20 ساعة، استمر حتى الساعة الرابعة صباحا يوم الجمعة، انتهى فيه أعضاء مجلس إدارة البنك من قرارهم أثناء تناول البيتزا. كان ذلك عشاء أخيرا "سريا حزينا"، كما قال أحد المشاركين.
بعد ساعتين أعلن بنك كريدي سويس أن ثيام سيتنحى من منصبه.
استقالته توجت ملحمة مراقبة مؤسسية لمدة أربعة أشهر كانت تقض مضجع بنك كريدي سويس وألقت بظلالها على القطاع المصرفي السويسري بأكمله. أثارت التداعيات أيضا مزاعم كراهية الأجانب والعنصرية التي طاردت النخبة الانعزالية في زيوريخ منذ تعيين ثيام – أول رئيس تنفيذي أسود لبنك أوروبي كبير – من شركة التأمين برودينشال قبل خمسة أعوام.
وسط الدراما كان هناك رئيس تنفيذي صاحب شخصية آسرة، لكن متغطرس في بعض الأحيان، متهم بعدم إظهار ندم كاف بشأن الفضيحة التي أدت إلى انتحار أحد المحققين الخاصين المعنيين. في النهاية، عزل نفسه عن الذين كانوا قد عينوه وقدموا له الدعم والتأييد.
الاستياء الذي يحيط برحيل ثيام يهدد بزعزعة استقرار بنك فشل في تخطي الفضيحة منذ تفجرها في أيلول (سبتمبر) الماضي، وبالكاد بدأ يتعافى من انهيار كان وشيكا بعد الأزمة المالية. انخفضت أسهم البنك 5 في المائة بعد خبر مغادرته قبل أن تنهي اليوم مستقرة. وكات الأسهم قد ارتفعت نحو 8 في المائة العام الماضي، إلا أنها انخفضت بمقدار النصف تقريبا خلال فترة تولي ثيام المنصب.
ثلاثة من كبار المستثمرين في البنك وعدد من أكبر عملائه ضغطوا بقوة، علنا وخلف الكواليس، من أجل بقاء ثيام، لكن تم تجاهلهم. وتعهدوا بمواصلة كفاحهم لإقالة رئيس أورس روهنر مجلس الإدارة. وكان روهنر، وهو محام سويسري يبلغ من العمر 60 عاما، قد عين ثيام في عام 2015، لكن في نهاية المطاف هو الذي أخرجه من البنك.
بداية الانهيار
بدأ كل شيء ينهار بالنسبة لثيام في أيلول (سبتمبر) الماضي، عندما تم الإمساك بشركة التجسس المؤسسي "إنفيستيجو" وهي تتعقب إقبال خان، أحد كبار المسؤولين التنفيذيين السابقين في بنك كريدي سويس الذي ترك البنك وانتقل إلى منافسه "يو بي إس".
واجه خان وزوجته الجاسوس في شوارع وسط زيوريخ، وتم تعقب القضية بسرعة إلى مساعد ثيام الرئيسي، بيير أوليفر بويه، المعروف بـ POB.
العداء بين ثيام وخان كان عميقا. كان خان، المعروف بثقته بنفسه، قد اشترى منزلا بجوار رئيسه في زيوريخ، وهدمه وأمضى أكثر من عامين في إعادة بناء الموقع.
ردا على أعمال البناء الصاخبة، قام ثيام بزرع أشجار في حديقته حجبت عن جاره مشهد بحيرة زيوريخ. الخلاف الداخلي أدى إلى مشاجرة في حفلة عيد ميلاد في منزل ثيام. تفاوض روهنر على خروج سريع لخان بعد ذلك بفترة وجيزة.
دائما ما أكد ثيام أنه لم يكن يعلم بعملية التجسس وتمت تبرئته من أي تورط من قبل مكتب محاماة خارجي. استقال مساعده بويه وطرد في النهاية. لكن التداعيات استمرت عندما انتشرت اخبار في كانون الأول (ديسمبر) عن أن بنك كريدي سويس تجسس أيضا على رئيسه السابق لقسم الموارد البشرية. هذا لم يبق لمجلس الإدارة أي خيار سوى إجبار ثيام على المغادرة، لأن الفضيحة كانت قد بدأت "تلحق الضرر بسمعة الشركة"، كما قال روهنر لـ"فاينانشيال تايمز" يوم الجمعة الماضي.
استياء المستثمرين
ناقش مجلس إدارة "كريدي سويس" المسألة طوال شهر كانون الثاني (يناير)، مع إبقاء المستثمرين في حالة جهل تام بما يدور في البنك، وهو ما أثار استياءهم وجعلهم يخططون، سرا، لتحويل اجتماعهم المنتظم لاعتماد النتائج السنوية للبنك إلى اجتماع لإنهاء الحياة المهنية للرئيس التنفيذي.
مع استعداد الأعضاء لاجتماع مجلس الإدارة يوم الخميس، أثار ثيام غضبهم أكثر من خلال نشر صورة على إنستجرام، التي تظهره وهو يبتسم مع مجموعة من كبار المسؤولين التنفيذيين في البنك بعد عشاء عمل. كان المقصود منها إظهار الوحدة، لكنها جاءت بنتائج عكسية.
قال أحد أعضاء مجلس الإدارة: "كانت غلطة كبيرة منه أن يستخدم إنستجرام قبل يومين من الاجتماع. كيف يمكن أن ينظر إليها بخلاف ذلك؟ كانت خطوة تدل على الاستماتة. استخدام أولئك الأشخاص كان فكرة سيئة".
في البداية، ناقش مجلس الإدارة بأكمله الوضع قبل أن ينسحب ثيام إلى جلسة منفصلة مع روهنر والعضو المستقل الرئيسي، سيفيرين شوان، وجون تينر، رئيس لجنة التدقيق.
بعد بضع ساعات – وصفها شخص مطلع على المناقشة بأنها "غير عاطفية بشكل مدهش" – وافق ثيام على التنحي. كان شرطه هو السماح له بتقديم نتائج كامل العام للبنك في الأسبوع المقبل والمغادرة، مع مكانة "المغادر الجيد"، ما يعني أنه سيحتفظ بمعظم راتبه. وافق أعضاء المجلس، لكنهم قالوا إنهم سيقتطعون جزءا كبيرا من مكافأته لعام 2019.
كان المنشور على إنستجرام واحدا من عدة حوادث كانت قد استفزت مجلس الإدارة. سبب آخر كان مقابلة أجراها ثيام مع محطة التلفزيون الفرنسي بعد إعلان نتائج الربع الثالث للبنك في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، عندما قال ليس من الطبيعي فقط استخدام تكنولوجيات المراقبة، لكن كل شركة كبيرة تفعل ذلك.
قال أحد الأشخاص المطلعين على المناقشات: "هذا ما أثار غضب رئيس مجلس الإدارة فعلا. قال أورس في نفسه: ’هو لا يفهم الأمر. لا يفهم مدى الضيق الذي يشعر به الموظفون‘".
شخص آخر معني اتفق معه، قائلا: "كان الأمر كما لو أن تيجان لم يستوعب مقدار الأمر كله". اعتقد مجلس الإدارة أنه تولى شخصيا تنظيم حملة المساهمين لإنقاذه: "اعتقد أنه عند كتابة التاريخ (...) هذا هو فعلا ما قضى عليه".
افتقاره الواضح للندم كان أيضا مشكلة. أشار أحد أعضاء المجلس إلى أن بيان استقالة ثيام، الذي أعرب فيه عن "أسفه" مع إنكاره المعرفة بعمليات التجسس، كان المرة الأولى التي "يعتذر فيها بشكل مباشر" عن هذه القضية. قال الشخص: "الأمر مثير للسخرية عندما تفكر فيه".
قال أحد الأشخاص المعنيين: "كونه خبيرا في التحول لا يجعله منسجما في سويسرا". أضاف: "فضيحة التجسس بالكامل خرجت عن السيطرة (...) لم تعد لديه الصدقية لإخراجنا من هذه القضية. قوله ’لم أكن أعرف‘ لم يكن كافيا".
الهدف التالي
تم تقديم تفسير مختلف جدا للأحداث من قبل بعض أكبر المستثمرين في البنك. استمروا هذا الأسبوع في تأكيد ثقتهم بقيادة ثيام ودافعوا عنه في وسائل الإعلام.
عندما أصبحت أجندة رئيس مجلس الإدارة واضحة في وقت سابق من الأسبوع، المساهمون بقيادة أكبرهم في بنك كريدي سويس، شركة هاريس أسوشيتس، هددوا علنا بإطاحة رئيس مجلس الإدارة وحتى مقاضاته، إذا أقدم هو ومجلس الإدارة على عزل الرجل الذي يعزون إليه عكس حظوظ البنك.
ديفيد هيرو، نائب رئيس مجلس الإدارة في شركة هاريس، التي تمتلك 8.4 في المائة من الأسهم، قال لـ"فاينانشيال تايمز" يوم الجمعة: "نحن لا نريد التخلي عن بنك كريدي سويس لأن لديه امتيازا كبيرا ويتم تقييمه بأقل من قيمته الفعلية، لكن لديه رئيس مجلس إدارة غير قادر، لذلك سنتخذ الإجراءات لاستبداله".
أضاف: "من المفترض أن يغادر أورس بحلول عام 2021، لكن هذا ليس قريبا بما فيه الكفاية (...) بالنسبة لسجله الضعيف بالأصل، يمكن إضافة إزاحة رئيس تنفيذي ناجح". قال هيرو إنه سينظر في دعم مساهمين آخرين للدعوة إلى اجتماع غير عادي لإقالة رئيس مجلس الإدارة. وقال روهنر ردا على ذلك إن القلق بين المستثمرين "ليس شيئا يثير قلقي كثيرا".
وكان هيرو قد ذكر سابقا أن ثيام ربما هو ضحية للعنصرية. وقد تردد صدى هذا من قبل مسؤول تنفيذي في أحد أكبر عملاء "كريدي سويس".
قال المسؤول: "أعتقد كان هناك كثير من المقالات التي تم نشرها في الصحف السويسرية الألمانية لزيادة التوترات وجعل الوضع لا يمكن الدفاع عنه. الأمر مثل مدينة ذات تفكير بلدي محدود ترفض جهة أجنبية".
نفى رئيس مجلس الإدارة وجود منظور كراهية الأجانب وقال إنه لم يتم اختيار الرئيس التنفيذي الجديد، توماس جوتشتاين المخضرم في بنك كريدي سويس منذ 20 عاما، لأنه سويسري.
قال شخص آخر مشارك في مداولات مجلس الإدارة إن "تيجان شخص لطيف، مسؤول تنفيذي رائع"، لكن "عيبه" هو أنه "يعتقد أن العالم يسعى إلى إيذائه. إنه رقيق الإحساس، ويرى العنصرية في كل مكان، وهذا بالطبع صحيح، لكن هذا لم يكن دائما السبب في انتقاده".
سجل ثيام
قال مؤيدو ثيام إنه قاد البنك خلال أصعب فترة في تاريخه. وأشاروا إلى مفاوضاته بشأن تسوية بقيمة 5.3 مليار دولار مع وزارة العدل الأمريكية بشأن سندات القروض العقارية، وإصلاحه الشامل للبنك الذي تم بموجبه ألغاء فرعه الاستثماري المتقلب، وتحويل الموارد إلى إدارة الثروات وآسيا.
الأرباح تتحسن أيضا. ارتفع صافي دخل بنك كريدي سويس 45 في المائة في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، وزاد البنك من أصول الثروات التي يديرها إلى مستوى قياسي بلغ 1.5 تريليون فرنك سويسري (1.53 تريليون دولار). تم تبديد الشكوك حول رأس المال بعد إصدارين لأسهم الحقوق بقيمة عشرة مليارات دولار وأعوام من التخفيضات العميقة في التكاليف.
قال شخص مقرب من ثيام: "شاهد مجلس الإدارة ووسائل الإعلام البنك وهو يتعرض للدمار لمدة 15 عاما، ثم هاجموا الرجل الذي كان يحاول إصلاح الأوضاع. أين كانت جميع الصحف السويسرية عندما كان البنك يأخذ المال من الطغاة الأفارقة ويبيع (سندات القروض العقارية السامة)؟ لم يكونوا قط في ذلك الوقت حاقدين مثلما هم الآن".
لكن سجله ليس منيعا. كان أداء أسهم البنك أضعف من أداء أقرانه، ولا يزال البنك يعاني تقلبات كبيرة في الأرباح وفي حدة التداول.
في هذه الأثناء، أخبر ثيام أصدقاءه أن لديه منذ فترة عروض عمل على الطاولة عندما تنتهي إجازته براتب كامل لمدة ستة أشهر.
يتذكر أحدهم بعض النصائح التي قال ثيام إنه قدمها ذات يوم إلى جون كريان، رئيس دويتشه بانك السابق: "حين تكون لديك نتائج جيدة، فلن يؤثر فيك أي قدر من الصحافة السيئة". لكنه كان مخطئا.

