شركات التكنولوجيا الكبرى لا تزال تتحرك في مجال الدمج والاستحواذ - لكن بإيقاع بطيء.
أصبح حظر استخدام عمليات الاستحواذ من قبل أكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية لتعزيز سلطتها هدفا صريحا لعديد من المنظمين والسياسيين. لذلك، تجدر الإشارة إلى أن المبلغ الذي أنفقته شركات التكنولوجيا الرائدة، بصورة إجمالية، في شراء شركات أخرى بدأ يتقلص في العام الماضي.
لكن حتى لو كانت عمليات الاستحواذ التي تسيطر على العناوين الرئيسية قليلة ومتباعدة، فإن الصفقات الأصغر لا تزال تتدفق في الوقت الذي يصقل فيه قادة التكنولوجيا قدراتهم في المجالات الرئيسية. قد لا يكون للتدفق المتناقص للصفقات فرق كبير في التوسع المندفع لقادة القطاع في أسواق جديدة. أصبحت عمليات الاستحواذ تلعب بالفعل دورا صغيرا على مدار نصف العقد الماضي.
كان من السهل تفويت أنباء وردت في وقت سابق من هذا الأسبوع أفادت أن أكبر عملية استحواذ من جانب شركات التكنولوجيا الكبرى في عام 2019 مرت دون أن تجذب الانتباه، أو تحدث أي ضجيج. جاء النبأ في أحدث مكالمة أرباح من "ألفابت"، الشركة الأم لـ"جوجل". في شرحها لسبب حدوث قفزة في عدد الموظفين في الأشهر الأخيرة من العام الماضي، أشارت الشركة إلى أنها استكملت في كانون الأول (ديسمبر) عملية استحواذ على شركة لوكر Looker مقابل 2.4 مليار دولار، مبينة أن ذلك كان من عوامل الزيادة.
أصبحت "لوكر"، وهي شركة تحليل بيانات ذات سمعة جيدة، جزءا من قسم الحوسبة السحابية في "جوجل". إنها سوق تتخلف فيها "جوجل" عن "أمازون" و"مايكروسوفت"، لذا فليس الأمر كما لو أن "جوجل" تعمل على إخراج الآخرين من السوق.
لكن الصفقة كانت لا تزال كافية لجذب انتباه المنظمين. قالت هيئة المنافسة والأسواق البريطانية إنها مستعدة لسماع تعليقات من أي شخص يعتقد أن هذه الصفقة ستضر بالمنافسة. تم استكمال الصفقة مع استمرار المراجعة الأولية، ما يعني أن "جوجل" لا يمكنها دمج "لوكر" في أعمالها حتى تقول الجهات التنظيمية رأيها.
أن يكون هذا الاستحواذ الضئيل نسبيا على شركة تحليلات غير معروفة هو الصفقة الأبرز من قبل مجموعة من الشركات التي تملك مئات المليارات من الدولارات نقدا، يقول كثيرون عن طموحات الاندماج والاستحواذ المحدودة لشركات التكنولوجيا الكبرى.
تظهر الملفات التنظيمية في الأيام الأخيرة أن الشركات التكنولوجية الخمس الأكثر قيمة - "أبل" و"مايكروسوفت" و"أمازون" و"ألفابت" و"فيسبوك" – أنفقت مجتمعة 7.2 مليار دولار فقط في عمليات استحواذ العام الماضي. ويعادل هذا نحو 50 في المائة مما أنفقته في كل من العامين السابقين، وأقل بكثير من 29 مليار دولار في 2016.
فهل هذا يدل على أن القائمين على هذه الشركات يخافون مسؤولي مكافحة الاحتكار؟ ربما، لكن الأمر ليس كما لو أنه تم إغلاق طريق مهم للنمو أمامهم.
بداية، كانت عمليات الاستحواذ الكبيرة نادرة في الآونة الأخيرة. خلال الأعوام الخمس الماضية، يمكن حساب عدد الصفقات التي تزيد قيمتها عن مليار دولار على أصابع يد واحدة. إلى جانب صفقة "لوكر" من قبل "جوجل"، وكذلك شرائها أجزاء من HTC التي تعمل في تجارة الهواتف الذكية مقابل 1.1 مليار دولار، تشمل الصفقات الكبيرة استحواذ "مايكروسوفت" على "جيتهب" GitHub مقابل 8.4 مليار دولار، واستحواذها أيضا على "لينكد إن" مقابل 27 مليار دولار، إضافة إلى استحواذ "أمازون" على "هول فودز ماركت" التي كلفتها 13.2 مليار دولار.
بالعودة إلى 2014 نجد عاما كانت فيه أقسام عمليات الاندماج والاستحواذ في شركات التكنولوجيا الكبرى تعمل بكامل طاقتها. إلى جانب شراء "فيسبوك" لـ"واتساب" و"أوكولوس"، شملت عمليات الاستحواذ في ذلك العام أسماء بارزة مثل شركة المنزل الذكي "نيست" (من قبل جوجل)، وشركة صناعة السماعات "بيتس" (أكبر صفقة لشركة أبل)، وشركة تويتش لخدمات الألعاب (أمازون)، ولعبة الفيديو "ماينكرافت" (مايكروسوفت).
تشير هذه الصفقات إلى نوع واحد من عمليات الاستحواذ التي يأمل المنظمون في تجنبها مستقبلا: تلك التي تمكن قادة اليوم من السيطرة على الأسواق الكبيرة التالية في وقت لا تزال فيه في مرحلة تشكل. لكن هل المنظمون في حالة تسمح لهم بإصدار أحكام دقيقة بشأن ماهية تلك الأسواق الجديدة، وأي عمليات الاستحواذ الصغيرة ستوفر المفتاح لولوجها؟ سيكون من الصعب أيضا حظر الصفقات في سوق الحوسبة السحابية المزدهرة، حيث تشكل احتكار القلة. مثلما أظهرت مراجعة المملكة المتحدة بشأن "لوكر"، من المؤكد أن المنظمين سيتفحصون الوضع لرؤية ما هو مسموح في الوقت الذي تتشكل فيه أسواق التكنولوجيا الجديدة. ما إذا كانوا سيتصرفون هو سؤال آخر.
في المقابل، يوجد عديد من الصفقات الأصغر حجما التي لا تتم ملاحظتها، لكنها كانت أساسية في تعزيز قبضة شركات التكنولوجيا الكبرى على التكنولوجيات الجديدة المهمة. أهمها الذكاء الاصطناعي. منذ استحواذها على "بيتس"، أنفقت "أبل" أقل من مليار دولار سنويا على إبرام الصفقات - لكنها كانت تجمع شركات الذكاء الاصطناعي الصغيرة في محاولة منها لمضاهاة التقدم الكبير لـ"جوجل" و"أمازون".
ربما لن يتم تعريف المرحلة المقبلة من المنافسة في قطاع التكنولوجيا من خلال الصفقات الكبرى. لكن هذا لا يعني أن عمليات الاندماج والشراء لن تلعب دورا مهما في تشكيل كيفية تعزيز شركات التكنولوجيا الكبرى لمكانتها.

