FINANCIAL TIMES

الاقتصاديون مقابل الأسواق .. أيهما على حق؟

الاقتصاد العالمي استهل عام 2020 بشكل إيجابي، منتعشا من تغريدة دونالد ترمب في نهاية العام الماضي التي أشارت إلى أن الرئيس الأمريكي كان على وشك التوقيع على صفقة تجارية محدودة مع الصين.
الاتفاق يشير إلى أن العام قد ينجو من لعنة 2019 الذي اتسم بتوترات تجارية متزايدة. إذا كان الأمر كذلك، سيتجنب عام 2020 المخاطر السياسية المتزايدة وعدم اليقين، مع فوائد غير مباشرة للاستثمار والتجارة في جميع القارات.
هذا الرأي عزز الأسواق المالية حتى الآن هذا العام. مؤشر إم إس سي آي للأسهم العالمية ارتفع أكثر من 3 في المائة في الشهر المنتهي بنهاية الأسبوع الأول من كانون الثاني (يناير).
وأسعار السندات عكست تفكيرا أكثر تفاؤلا. مقارنة بالخريف الماضي، لم تعد أسعار الفائدة الأمريكية الخالية من المخاطر على السندات الحكومية تشير إلى ركود يلوح في الأفق.
لكن هذا التفاؤل في السوق لم يقنع الاقتصاديين المتخصصين في النظر في البيانات الأساسية: لم يتوقعوا ركودا عالميا هذا العام وهم الآن ليسوا أكثر إيجابية بشأن التوقعات. التوقعات الاقتصادية لعام 2020 تشير إلى عام ضعيف آخر في المستقبل مع تحسن طفيف، دون تحسن يذكر، أو مع تحسن طفيف عن التوقعات التي وردت في الخريف.
البنك الدولي يتوقع، استنادا إلى أسعار الصرف السائدة، أن يرتفع الناتج العالمي من 2.4 في المائة في عام 2019، وهي أدنى مستوى له خلال عقد، إلى 2.5 في المائة في عام 2020.
شيء أفضل قد يتطلب "تخفيضا مستداما في حالة عدم اليقين في السياسات"، وفقا لسيللا بازارباسيوجلو، نائبة الرئيس المسؤولة عن النمو العادل في البنك الدولي.
النظرة العالمية في شركة أكسفورد إكونوميكس الاستشارية ليست مختلفة، فهي تدور حول تحسن "ثابت وعادي" في 2020.
"من المحتمل أن تقلل القدرة الاحتياطية المحدودة، وارتفاع مخزون الدين العالمي، وارتفاع أسعار الأصول من الدافع الإيجابي الناشئ عن الإجراءات التي يتخذها صانعو السياسة"، وفقا لما قاله بن ماي، مدير الأبحاث العالمية الكلية في الشركة.
تقول جانيت هنري، كبيرة الاقتصاديين العالميين في مصرف إتش إس بي سي: "على الرغم من أن الولايات المتحدة والصين اتفقتا على صفقة ’المرحلة الأولى‘ (...) إلا أن عدم اليقين فيما يتعلق بالعلاقة والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط يعنيان أن الاستثمار العالمي من غير المرجح أن ينتعش بشكل مجد".
حقيقة حرجة أخرى هي أن معظم العناوين الرئيسية للاقتصاد العالمي ولاعبيه الرئيسيين من المرجح أن تكون متشائمة هذا العام.
الصين، مثلا، من المتوقع أن تسجل أول معدل نمو دون 6 في المائة منذ 30 عاما، مع تباطؤ الاقتصاد تدريجيا. والاقتصاد الأمريكي يتباطأ مع تلاشي الدعم من تخفيضات عام 2017 الضريبية. ومنطقة اليورو ستصارع للتوسع أكثر من 1 في المائة، جزئيا بسبب تعرضها للتوترات التجارية العالمية.
في الاقتصادات الناشئة الكبيرة كانت الاتجاهات الأخيرة أكثر إثارة للقلق. الهند كانت أسرع الاقتصادات الكبيرة توسعا في عام 2018، بنمو بلغ 6.8 في المائة، لكن البنك الدولي خفض تقديراته لعام 2019 إلى 5 في المائة فقط وشطب تقريبا كثيرا من التوقعات لعام 2020 على خلفية تقييد النمو الائتماني والإنفاق الاستهلاكي وسط حالة من عدم اليقين السياسي.
المشكلة الأكبر على مستوى العالم هي أن نمو الإنتاجية يتباطأ في كل مكان تقريبا. هذا يعني أن التقدم التكنولوجي الحالي لا يمكن الشركات والدول من تحسين مستويات المعيشة دون إضافة وظائف أو ساعات عمل.
إلى جانب التحفيز الذي قدمه تخفيف السياسة النقدية في كل من الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، يخشى محافظو البنوك المركزية ـ في الماضي والحاضر ـ من نفاد ذخيرتهم. مع بقاء أسعار الفائدة قريبة من القاع على مدى أكثر من عقد بعد الأزمة المالية العالمية، هناك حد لما يمكن أن تفعله السياسة التقليدية وغير التقليدية.
بعد ذلك، تتجه الأنظار إلى السياسة المالية العامة باعتبارها أساس النشاط العالمي، لكن هذه السياسة مستقرة في معظم الاقتصادات، مع استثناءات بارزة من المملكة المتحدة وهولندا، اللتين تنفذان زيادات أكثر نشاطا في الإنفاق العام.
لمعالجة المشكلات العميقة التي تعرقل فرص تحسن النمو خلال بقية هذا العقد، دعا البنك الدولي الدول إلى اتخاذ عدد من الخطوات لتحسين طريقة عمل اقتصاداتها.
مثلا، أوصى بـ"متابعة الإصلاحات الحاسمة لتعزيز الحوكمة ومناخ الأعمال التجارية، وتحسين السياسة الضريبية، وتشجيع التكامل التجاري، وإنعاش نمو الإنتاجية، مع حماية المجموعات الضعيفة في الوقت نفسه".
على الرغم من أن فترة من الاستقرار السياسي والتجارة العالمية ستسمح للدول بالتركيز مرة أخرى على مثل هذه الأمور المتعلقة بأسباب العيش، لا تزال هناك مخاطر جدية. حدة التوترات التجارية قد تخف مع الصين، لكن النزاع عبر الأطلسي حول فرض ضرائب على الشركات الرقمية في تصاعد. الجهود المبذولة لإيجاد حل عالمي يبدو أنها تواجه بعض المشكلات. ليس هناك ما يضمن أن التوترات الجيوسياسية ستقتصر على السياسة.
العام الاقتصادي الذي لا يزال في بداياته يبدو أكثر صعوبة مما تتوقعه الأسواق، ما لم يتحقق حل كاف للمشكلات العالمية التي تحول دون تحفيز انتعاش يقوده الاستثمار. بالنسبة لعام 2020، يبدو الاقتصاديون متشائمين بشكل متوقع، لكن عاما من الاستقرار قد يوفر الأساس لأوقات مقبلة أفضل.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES