FINANCIAL TIMES

أضواء على الجانب المظلم من تصاميم المكاتب العصرية

كان كريستوفر والش، وهو باحث مخضرم في"موني هب"، الشركة الناشئة في مجال التمويل الشخصي في نيوزيلندا، متفاجئا بما رآه عندما انضم إلى مكتب "وي وورك"في لندن الصيف الماضي، بصفته أحد موظفي المكاتب المشتركة.
ويقول: "كان هناك كثير من الملهيات أمامك. كان صانع القهوة في منتصف جميع المكاتب المشتركة، وكانت الصفوف متراصة.
في أيام الجمعة، كان الموظفون يجلبون أطفالهم، بالتالي قد تكون جالسا في أحد المكاتب المشتركة لتجد بجانبك طفلا صغيرا مع لعبة فيديو".
يضيف والش أن تقديم مشروبات التفاح غير المحدود يكون متاحا عند الثالثة مساء، "بالتالي سيتحول المكان إلى مقهى في الطابق بالكامل. من المفترض أن يكون هذا هو مستقبل العمل، لكن بالنسبة إلي كان هذا أمرا معاديا لطبيعة العمل، فاضطررت إلى أن أغلق على نفسي في غرفة الهاتف لأنجز العمل".
صعود "وي وورك" السريع - الذي تلاه تراجع أسرع إلى حالة من الفوضى، حينما ألغيت الخطط المتعلقة بالاكتتاب العام الأولي – أدى إلى توجهات أوسع في تصميم المكاتب المعاصرة: المكاتب المشتركة، والمكاتب المفتوحة، والمكاتب ذات الكثافة العالية، والمكاتب التي تمزج بين العمل والاسترخاء.
بحسب تجربة والش، يمكن أن يكون هناك خط رفيع بين مكان العمل الذي يتسم بنوع من الضجيج، وآخر يتسم بصخب جائر.
ويضيف أن فروع "وي ويرك" الأخرى التي اعتاد عليها كانت مختلفة، إلا أن هذا الفرع يجمع بين الفوضى والسرية.
إنه مكان مبهم ومنتحل لهوية مكان آخر بشكل كبير في بعض النواحي. لقد شعرت بأنه يحاول أن يكون مغايرا لما هو عليه.
عندما يتعلق الأمر بالمكاتب على نطاق أوسع، فإن تجربة والش تستند إلى الأبحاث. في جميع أنحاء العالم، مساحة المكتب للشخص الواحد آخذة في التقلص، ويتم هدم الحواجز بين المكاتب، ومشاركة المكاتب بسبب سعي المنظمات إلى الجمع بين كفاءة التكلفة والطاقة الإبداعية. بيد أنه في بعض الحالات، يمكن أن تؤدي هذه الاتجاهات إلى نتائج عكسية.
تتبعت دراسة مدعومة من كلية هارفارد للأعمال، أجريت في عام 2018 الموظفين في شركتين قبل وبعد إعادة تصميم مكاتبهم، من خلال إزالة الجدران والأبواب و"الحدود المكانية الأخرى" فتوصلت إلى أن رد فعل الموظفين تمثل في تجاهل بعضهم البعض،
وأن التواصل المباشر قد انخفض بنسبة 70 في المائة لمصلحة التواصل الرقمي.
قال الباحثون: "بدلا من من تشجيع زيادة التعاون المباشر الحيوي، بدا أن تصاميم المكاتب المفتوحة تؤدي إلى استجابة بشرية طبيعية للانسحاب من التواصل الاجتماعي مع الزملاء في المكتب، والتفاعل معهم بدلا من ذلك عبر البريد الإلكتروني والرسائل الفورية".
توصلت أبحاث أخرى منفصلة العام الماضي إلى أن مخططات المكاتب المفتوحة، التي تكون فيها المكاتب مشتركة، كان من المرجح أن تؤدي إلى شعور الشخص "بتجريده من الإنسانية" أكثر من المكاتب ذات الترتيب "الخلوي" قديمة الطراز.
أجرى الباحثون في جامعة لوفان الكاثوليكية في بلجيكا استطلاعا، شمل أكثر من 500 شخص من الموظفين الإداريين في شركات التأمين ومواد البناء والتعدين.
لقد توصلوا إلى أن الموظفين في المكاتب ذات التصاميم المفتوحة، التي تكون مكاتبها مشتركة كانوا أكثر احتمالا للاتفاق مع عبارات مثل "الشركة التي أعمل فيها تعاملني كما لو أنني روبوت".
يقول المهندسون المعماريون والمطورون العقاريون، إن التصميم السيئ هو السبب في ذلك.
المطور العقاري، ستيوارت ليبتون، يشبه المساحات المكتبية المكتظة بالمكاتب المتقاربة بإحكام، أو المكاتب الصغيرة أو ذات الحواجز القصيرة بـ"مزارع الدواجن".
ويقول: "زراعة المصانع هي عندما يكون التصميم مدفوعا بالتكلفة، ولا تفكر الشركات في إشراك موظفيها. ليس هناك وعي بالإنسانية".
عندما تكون المكاتب مكتظة بإحكام، يحتاج الموظفون إلى مساحات إضافية في العمل للتعويض. "الناس بحاجة إلى أن تكون هناك مساحة حرة".
يبدو أن الكثافة المفرطة جزء من المشكلة. يقول تيم أولدمان، الرئيس التنفيذي لشركة ليسمان للأبحاث الخاصة بمكان العمل: "ما يدعو إلى القلق هو أن هناك عددا متزايدا من الشركات التي تفكر في زيادة الإنتاجية من ناحية " هل يمكننا أن نوظف مزيدا من الأشخاص في مساحة أقل؟".
في حين زادت كثافة المكاتب في جميع المجالات - تقلصت المساحة المعتادة للشخص في الولايات المتحدة بنسبة 8.3 في المائة إلى نحو 18 مترا مربعا بين عامي 2009 و2018، وفقا لشركة كشمان آند وايكفيلد للاستشارات العقارية– إلا أن بعض الوظائف تحشر عددا أكبر من الموظفين.
مثلا، المساحة التي تمنحها "وي وورك" للموظف الواحد تشكل ما يزيد قليلا على خمسة أمتار مربعة للشخص، في جميع أنحاء محفظتها الاستمثارية العالمية، وفقا للوثائق المالية الصادرة في الصيف الماضي.
الكثافة ليست القضية الوحيدة التي تؤثر في رفاهية الموظفين. هناك مشكلة أخرى وهي العمل المرن، حيث تطلب الشركات من العاملين فيها مشاركة المكاتب، الأمر الذي يزيل إمكانية إحضار العمل "إلى المنزل".
من غير المرجح أن يخف الاندفاع نحو المكاتب المشتركة، لأنه وفقا للأبحاث التي أجرتها شركة أدفانسد وورك بليساسوسيايت الاستشارية، فإن معدل استخدام المكاتب عادة 48 في المائة فقط من كل يوم عمل.
إن مشاركة المكاتب تعد غير مرغوبة في كثير من الأحيان. تقول أميليا سابروال، وهي مدربة في مكان العمل: "عندما تقول ’مكاتب مشتركة’ سترى أن الجميع يزداد غضبا.
لا يمكنك أن تعطي دون أن تأخذ لزيادة كثافة مكان العمل دون أن تشعر بأنك تلغي مكاتب، تحتاج إلى إعادة المساحات الأخرى، وتحتاج إلى التفكير في استراتيجيات إعطاء المجموعات المختلفة مساحاتهم الخاصة".
يقول أولدمان إن التصميمات المكتبية المعاصرة يمكن أن تبتكر غرف صدى سمعية: "يحب المصممون والمهندسون المعماريون إزالة الأسقف من أجل توفير مساحة أكبر في المكان، وهذا يكشف عن الجزء الأسفل من المبنى الملموس، وهو بمنزلة مرآة تعكس الضوضاء. كما أنهم يحبون الأرضيات الصلبة".
ويضيف أن المكاتب المشتركة أو الموضع السيئ للفرق يمكن أن يحول الضوضاء في الخلفية إلى صخب. "إذا كنت تجلس بجوار مراقب مالي، وكنت شخصا يحاول الترويج لبعض المساحات الإعلانية، فستكون نبرة صوتك مختلفة تماما، إضافة إلى أن هناك عاملا قبليا بدائيا لتكون قادرا على الخروج مع الزملاء".
تحتاج الشركات إلى أن تتشاور مع الموظفين، وأن تفكر في ابتكارات المساحة بشكل كامل، كما تقول روزي هاسلم، مديرة في شركة سبيس لاب للتصميم والهندسة المعمارية.
تذكر أن الأخطاء التقليدية تشمل إنشاء مساحة للأشخاص للعمل مع أجهزة الكمبيوتر المحمولة، التي تفتقر إلى ما يكفي من نقاط التوصيل بالطاقة، أو محطة عمل في منتصف مساراتها الداخلية.
وبحسب ما تقول هاسلم فإنه ينبغي أن ينظر المصممون في استخدام الألواح الصوتية أو المفروشات الناعمة لامتصاص الضوضاء. كما ينبغي أن تلبي احتياجات الانطوائيين بين القوى العاملة، الذين "يريدون أن يشعروا بأنهم مختبؤون في مكان بعيد قليلا، ولا يعلقوا في كل هذا الضجيج".
قد يكون هذا مهما بشكل خاص لأولئك الذين يعانون مشكلات تتعلق بالصحة العقلية أو الحالات العصبية المختلفة.
موظف سابق في شركة إنباور في بريطانيا مصاب بالتوحد، فاز بدعوى تمييز غير مباشر في وقت سابق من هذا العام، بعد أن جادل بأن الشركة فشلت في تكييف بيئتها المفتوحة مع احتياجاته.
في النهاية، أخذ إجازة مرضية طويلة الأجل وتم تشخيصه، بأنه يعاني اضطرابات القلق.
يرسم لوران تاسكين، مؤلف الدراسة البلجيكية، صورة قاتمة للمساحات المكتبية الحديثة: يقول إن بإمكانهم دفع الناس للعمل من المنزل لتجنب الضوضاء و"الكفاح من أجل إيجاد مكان مريح، أو برودة الأماكن المفتوحة".
"وي وورك" نفسها تجري تعديلات على مساحاتها. تقول إنها تستخدم الملاحظات من كل مبنى تابع لها للاسترشاد بها في تصاميمم واقعها الجديدة. تشمل بعضها "مساحات هادئة" مخصصة للعاملين في المكاتب المشتركة، إلى جانب المساحات الأخرى التي تصدر عن علاماتها التجارية الضجيج.
في حين أن "وي وورك" كانت الوجه الأخير لتصاميم المكاتب المعاصر، فقد وجد بحث ليسمان أمثلة إيجابية في القطاعات الأقل جاذبية.
لقد قسم فرع "جونسون آند جونسون" الجديد في بوجوتا، عاصمة كولومبيا، مساحاته إلى مكاتب "تعاونية مفتوحة" ومكاتب "تركيز مفتوحة"، إلى جانب "مساحات للخصوصية" و"وحجرة للفريق" لأنواع مختلفة من العمل.
كما أن أصحاب العمل والمصممين يواجهون أيضا مشكلة التمييز بين المقاومة الموظفين الطبيعية للتغيير، وتحديد المشكلات الحقيقية.
تقول سابروال: "لن يحب الناس أن يقال لهم ’هذا ما تفعلونه’ ما لم يطلب منهم ذلك. هناك عملية لإدارة التغيير ينبغي أن تحدث للموظفين لكي يشعروا بالارتياح".
وتضيف أن إجراء تغييرات على المكتب الحالي يمكن أن تكون تحديا على وجه الخصوص.
"يعد تغيير الروتين صدمة كبيرة للنظام. سيكره الناس ذلك لبعض الوقت. عليك أن تكون على استعداد لأن تكون أكثر شخص مكروه في مكان العمل، فحسب".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES